تشكو الجامعات العربية من تكدس أبحاث طلبتها دون أن يهتم قطاع الأعمال بها أو بتفعيلها على أرض الواقع خصوصا أن بعض جامعاتنا العربية قد حصلت على مراكز عليا في كمية الأبحاث التي تخرج منها والتي توضع على الرف في النهاية. ولكن لماذا لا يهتم القطاع الخاص بنتلك الأبحاث؟

سنجد الإجابة عندما نلقي نظرة سريعة على الأبحاث التي تخرج عن الجامعات العربية خصوصا في العلوم غير التطبيقية حيث سنجد أن أغلبها أبحاث مكررة لا تقدم جديدا الا فيما ندر. فاهتمام الطلاب بمنهجيات البحث العلمي شغلهم عن تقديم بحوث لحل مشاكل حقيقية يعاني منها المجتمع حيث يغلب على  البحوث التي يقدمها الطلاب  استعراض الأساليب الإحصائية التي تم استخدامها والاهتمام بتبيان الأثر دون أن تهتم بالكيفية.

هذا النوع من الأبحاث لا يهم كثيرا شركات القطاع الخاص. الشركات بحاجة الى تطبيقات عملية واطر عمل تشرح الكيفية أكثر من مجرد إحصاءات لا فائدة منها.

البحث النوعي….التركيز على الكيفية

نحن نعلم أن هناك أسلوبين للبحث العلمي المنهج الكمي والمنهج النوعي. يعتبر المنهج الكمي هو الأكثر استخداما لدينا لأنه الأسهل على الطالب والمعلم في ذات الوقت. فما على الباحث سوى أن يتقيد بمعاير محددة وأساليب إحصائية واضحة حتى ينهي بحثه مهما كانت تلك الاساليب صعبة أو معقدة. طبعا هذا لا يقلل من أهمية البحوث الكمية لكن استخدامها بشكل مكرر ومنسوخ هو ما يقلل من أهميتها.

أما المنهج النوعي فهو الأقل استخداما لأن المنهجيات المتبعة أكثر مرونة وتحتاج الكثير من الوقت ولا تجد الكثير من أستاذة الجامعات أو الطلبة يتقنها، وبالتالي فيتهرب منها الجميع رغم أنها ربما تكون ما نحتاجه أكثر في حياتنا العملية. فرغم أن هذه الأساليب النوعية لا تعطي رايا مجردا يمكن تعميمه لكنها تشرح لنا الكيفية وتركز أكثر على المعاني والفهم والإجراءات أكثر من تركيزها على قياس الفعالية أو الأثر أو القيمة.

البحث النوعي يعرض الحقائق بطريقة سردية أكثر مستخدما الكلمات والصور والأشكال بعيدا الى حد كبير عن الأرقام والاحصائيات. وهو أكثر اهتماما بفهم الظواهر من منظور الأفراد والجماعات حيث يصل الى الحقائق من خلال المعاني والفهم التي يكونها الأفراد عن الحقائق. ويعتمد البحث النوعي أكثر على ذاتية الباحث المنضبطة حيث يكون الباحث النوعي منغمسا أكثر في الظاهرة موضوع البحث. والعينات التي يتم دراستها في هذا النوع من البحوث عينات قصدية لغرض التحليل (اشخاص أو احداث) وليست عينات عشوائية احتمالية كما هو الحال مع البحوث الكمية، يتم اختيار تلك العينات وفق لغزارة المعلومات التي سيتم توفيرها والتي تفيد الدراسة البحثية.

الكثير من الأدوات التي نستخدمها اليوم في عالم الإنترنت والتصميم والتواصل الاجتماعي وغيرها هي في غالبها ناتجة عن بحوث نوعية قدمها باحثون.

النظرية المجذرة Grounded theory

النظرية المجذرة أحد منهجيات البحث العلمي النوعية والتي قد يكون لها تأثير قوي في اخراج بحوث علمية ذات قيمة وأهمية لقطاع الأعمال فيما لو تم استخدامها في الجامعات العربية خصوصا في مجالات التعليم وتقنية المعلومات والتواصل. فالبحوث المعتمدة على النظرية المجذرة تهدف للوصول الى الكيفية وليس لإثبات فرضيات معينة كما هو الحال مع الأساليب الكمية. النظرية المجذرة لا تهدف لإثبات نظرية انما لاكتشاف نظرية، قد تكون هذه النظرية تفسيرا لظاهرة أو اقتراح لإطار عمل أو نموذج أو تطبيق لحل مشكلة معينة وهذا ما نحتاجه أكثر في أغلب مؤسسات الأعمال.

لقد بدأ تقديم منهجية النظرية المجذرة من قبل كل من Glaser  و  Strauss عام 1967 وتم تطويرها من قبلهما  كل منهما بشكل منفصل مع بداية التسعينات وذلك كمنهجية عامة لبناء النظريات المرتكزة على البيانات النوعية التي يتم جمعها وتحليلها بشكل نظامي عبر التفسير والتأويل Interpretations وهي تهدف في النهاية لاستنباط مفاهيم جديدة ذات معنى. تتكون هذه المفاهيم من الحقائق المرتبطة بمجال البحث وأيضا من تلك التي يتم بنائها من قبل الباحث Constructions of the researcher. لمعلومات أكثر عن كيفية استخدام النظرية المجذرة في رسائل الماجستير والدكتوراه يمنك الرجوع للكثير من المراجع العلمية حول هذا الأمر منها أو ايضا كما يمكن قراءة عشرات الكتب والمراجع العلمية حولها.

تعتمد النظرية المجذرة على استنباط مجموعة من الفئات والتصنيفات التي ترتبط فيما بينها بعلاقات لتشكل اطارا متكاملا لتفسير ظاهرة ما أو التنبؤ بها. ويتم التوصل لهذا الإطار عبر جمع البيانات النوعية والتعامل معها بطريقة منظمة واستنباط المفاهيم الموجودة في تلك البيانات النوعية. يعتبر ابداع الباحث عنصرا أساسيا في استخدام النظرية المجذرة حيث أن التفكير الإبداعي هو ما سيقود الباحث لابتكار النظرية حيث يحتاج الباحث دائما الى التفكير بكل الخيارات الممكنة أثناء جمع البيانات وتحليلها واختياره للعينة التي سيعتمد عليها وهذا يتطلب منه فهما عميقا لما يقوم بها ودافعية لكي يستمر.

النظرية المجذرة أسلوب ابداعي ابتكاري في اكتشاف المشاكل وإيجاد حلول عملية لها وهذا ما نحتاجه في عالمنا العربي. نريد أن يكون للبحث العملي دور في ريادة الأعمال وتطوير نظم التعليم واستنباط أساليب تسويقية جديدة بدلا من أن نعمد الى النسخ من الغرب.

هناك أشكال كثيرة لطريقة البحث العلمي عبر النظرية المجذرة لكن بشكل عام تتكون منهجية النظرية المجذرة من المراحل التالية:

  • مرحلة التعرف على المشكلة: ينبغي أن يكون لدى الباحث في البداية فكرة عن الظاهرة أو المشكلة التي يريد التعامل معها في بحثه عبر القراءة عنها لنعرف تماما ما هو نطاق الموضوع الذي سيتعامل معه فلا يكون موضوعك عام وكبير بل محدد وواضح.
  • مرحلة جمع البيانات: حيث يقوم الباحث هنا بجمع البيانات المتعلقة بالظاهرة التي يعمل على دراستها من خلال استخدام المقابلات والمشاهدات العينية ودراسة المستندات والوثائق كأدوات للبحث. قد تستغرق هذه المرحلة فترة طويلة وقد تمتد لسنوات حسب طبيعة البحث. يعمد الباحث هنا الى كتابة ملاحظاته أثناء البحث وهي ما تمثل البيانات التي يقوم بجمعها والتي سيتم دراستها فيما بعد وبالتالي لا نعتمد هنا على بيانات إحصائية أو رقمية.
  • مرحلة التحليل: يقوم الباحث هنا بتحليل الملاحظات التي يتم جمعها تحليلا نصيا بغرض استنباط الرموز والكلمات المفتاحية التي تحويها تلك الملاحظات ليتم مقارنتها ببعضها البعض بغرض استخراج الأنماط أو الفئات الأساسية منها Core Category ثم يتم تحليلها عبر ترتيبها وتجميعها لاستنباط التصنيفات منها. هذه التصنيفات هي ما سيعتمد عليه الباحث في نظريته التي سيخرج بها. ويتم ذلك وفق للخطوات التالية:
    • استرجاع الرموز من البيانات التي تم جمعها (الترميز Coding) حيث يعمد الباحث الى البحث في الملاحظات التي سجلها عن تلك العبارات أو المفاهيم أو الكلمات التي لها دلالة وأهمية بالنسبة للظاهرة التي يقوم بدراستها.
    • يتم بعد ذلك المقارنة بشكل مستمر بين الرموز التي يتم استنباطها وتجميعها ضمن مجموعات بغرض استنباط الأنماط الرئيسية منها Core Category والتي سيتمحور حولها النظرية أو إطار العمل الذي سيخرج به الباحث.
    • ويتم بعد ذلك استنباط التصنيفات من الرموز وذلك عبر تصفيتها والدمج بين المتشابه منها وتحليل العلاقات فيما بينها ثم يتم توزيعها على الأنماط الاساسية التي تم اكتشافها سابقا.
    • يعمد الباحث الي التحليل المستمر للأنماط والتصنيفات التي توصل لها الباحث وجمع المزيد من المعلومات عن تلك التصنيفات حتى يصل الى قناعة بأنه لا يمكن اجراء المزيد من التحليل.
  • يقوم الباحث بعد ذلك يوضع نظريته أو المفهوم أو إطار العمل الذي استهدفه والتي تعتمد بشكل كبير على الأنماط والتصنيفات التي توصل لها الباحث وهنا يكمن الابداع والابتكار حيث قد يتطلب منه جمع المزيد من المعلومات والتفكير الابداعي للوصول الى الهدف المنشود.

ختاما….علينا أن نهتم أكثر بالأبحاث النوعية

هذا قيض من فيض فالنظرية المجذرة أحد أساليب البحث الكمي الكثيرة الغائبة عن أبحاث طلبتنا في الجامعات العربية. هناك أيضا تحليل الحالة والاستقصاء الانثوغرافي والاستقصاء الظاهري والدراسات النقدية والتحليل القصصي وغيرها الكثير. أساليب يمكن أن تؤدي بالبحوث العربية لأن تكون ركيزة لتطور المجتمع. هذه دعوة للجامعات وأساتذة الجامعات والطلبة لتبني منهجيات البحث النوعي وخصوصا النظرية المجذرة بشكل أكبر في ابحاثهم ليكون لها دور أكبر في قطاع الأعمال بل وفي الحياة اليومية للناس.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.

CIP