تشير أغلب المؤشرات التي بين أيدينا البوم الى أننا سنحتاج في الغالب للتعايش مع فيروس كورونا المستجد لفترة قد تكون طويلة، وبالتالي فإن حياتنا التي اعتدنا عليها سنتغير الى حد كبير، فالحياة بعد كورونا لن تكون ذاتها قبل كورونا. هناك عدد كبير من الظواهر التي ستميز حياتنا بعد كورونا أوجزها هنا تحت ثلاثة محاور رئيسية؛ التباعد الاجتماعي، والعمل والتعلم عن بعد، والاكتفاء الذاتي.

التباعد الاجتماعي

سيصبح التباعد الاجتماعي سمة أساسية في حياتناK فديكورات المحلات والأسواق ودور العبادة والمطارات ومحطات القطار ودور السينما والمسرح وقاعات الاحتفال والمطاعم ووسائل النقل، كلها ستساعد على إجبار الناس على الحفاظ على مسافة متر أو أكثر عن الآخرين.

كما ستختفي مشاهد السلام والقبل والأحضان بين الناس، بل سيصبح ذلك مخالف للقانون وسيعرض من يقوم به لأشد العقوبات.  وسيكون لبس الكمامات والقفازات إجباريا عند الخروج من المنزل وتحت طائلة القانون خصوصا خلال الأيام والأشهر القادمة.

وستنتشر عمليات التعقيم المستمر في كل مكان، في الأماكن العامة والأسواق وحتى البيوت. سيتوفر للجميع أجهزة تعقيم ذاتي وسيتم التعقيم والتنظيف بشكل يومي في الأسواق وبين الصلوات في دور العبادة وبين الفترات الدراسية في المدارس والجامعات ويوميا في منشآت الأعمال. وسيصبح الفحص الدوري ضد كورونا امرأ واجبا خصوصا للراغبين في السفر أو حتى الانتقال من مدينة لأخرى.

ونتيجة لانتشار فكرة التباعد الاجتماعي بين الناس، ستصبح الخدمات الإلكترونية منتشرة بين جميع الشركات بغض النظر عن طبيعة عملها أو حجمها، وستعمل أي منشأة لم تكن مستعدة لذلك حتى الآن الى بذل كل ما يمكن بذله للتحول الرقمي حتى تتمكن من توفير خدماتها ومنتجاتها عبر الطلب المباشر من خلال الإنترنت دون الحاجة للحضور الشخصي، بل ربما يصبح ذلك جزء من التراخيص التي ستمنح لها من الجهات المختصة.

كما ستنتشر الخدمات المقدمة في المنازل بطابع شخصي يناسب العميل أكثر من الطابع العام للخدمات الإلكترونية، كخدمات الرعاية الصحية الشخصية وخدمات التجميل والموضة والتعليم الخاص ونحوه.

ما سيفعله كورونا لدفع الشركات للتحول الرقمي سيفوق بمراحل كل المؤتمرات والندوات والأبحاث والمقالات التي خرجت إلينا خلال العقود الأخيرة.

كل هذا يعني أن ثقافة التسوق والبيع والشراء والزيارات الاجتماعية والتجمعات والسياحة والعبادة والترفيه وحتى مجرد الخروج من المنزل ستختلف الى حد كبير بين الناس عما كان عليه الحال سابقا لتلتزم بقوانين التباعد الاجتماعي والتعقيم المستمر.

من الناحية الإيجابية، سيؤدي كل ذلك الى تخفيض نسب التلوث وتقليل التكاليف التشغيلية والوقت الضائع وسيسهل على الناس الوصول للسلع والخدمات المختلفة من القطاع العام والخاص بشكل مباشر وسريع وبدون وسطاء، وسيوفر فرص اقتصادية اكبر في مجالات الشحن والنقل والتوصيل والتعقيم والخدمات الإلكترونية والأنظمة السحابية وتطبيقات الموبايل والترفيه عبر الإنترنت والتي حتما ستزدهر جميعا في عصر ما بعد كورونا.

التعلم والعمل عن بعد

لن تعود الأعمال والمدارس الى ما كانت عليه سابقا. فنتيجة التباعد الاجتماعي سيصبح لزاما على المؤسسات التعليمية ومنشآت الأعمال اعتماد العمل والتعلم عن بعد كجزء أساسي من بنيتها وبشكل مستدام. بل أن القوانين ستجبر الجميع على استخدام التكنلوجيا لتقليل حجم المجتمعين في مكان واحد الى الحد الأدنى، خصوصا مع انتشار وتطور التقنيات التي تساعد على ذلك بشكل كبير.

فمن المتوقع أن تقل عدد الساعات الدراسية في المباني المدرسية الى النصف على الأقل وان يتم استخدام التعلم عن بعد كجزء أساسي من العملية التعليمية في المدارس والجامعات. سيقتصر حضور الطالب للمباني المدرسية والجامعية على حضور الامتحانات وورش العمل وجلسات النقاش، بينما التدريس سيتم من خلال الوسائل التقنية المتوفرة.  هذا في اعتقادي سيؤدي الى تحسين العملية التعليمية وستبتعد تدريجيا عن التلقين متجهة الى وسائل تعليمية أكثر فعالية كالمشاريع الجماعية والأبحاث ونحوها، بل قد يؤدي الى ظهور نظام تعليمي جديد كليا.

أما في منشآت الأعمال فلن تكون المكاتب امرأ جوهريا لاي منشاة بل ولن تصبح جزء من ترخيصها التجاري. لن يجبر الموظف على الحضور للمكتب بشكل يومي، فلن يحضر لمكان العمل إلا من هو مضطر لذلك أو لمجرد التواصل الاجتماعي مع زملاء العمل فقط. سيصبح العمل المرن عن بعد من أي مكان وفي أي وقت أمر طبيعي على المدى البعيد وسمة أساسية لاي موظف لأغلب النشاطات التجارية وبالقانون، بل أتوقع أن عطل نهاية الأسبوع ستختفي تدريجيا وستصبح حياتنا اليومية خليطا بين العمل والترفيه كما كان حال أسلافنا سابقا.

لقد ظهرت فكرة عطل نهاية الأسبوع وعدد ساعات العمل المحدد مع ظهور الثورة الصناعية لكن من المتوقع أن تغير الثورة الرقمية ذلك.

وحتى يتم تحقيق ذلك، ستعمد الحكومات والشركات والمؤسسات التعليمية الى امتلاك أنظمة سحابية على الإنترنت لا تتقيد بمكان او زمان لتساعد الموظفين والطلاب على العمل والتعلم من أي مكان.  وهذا لن يكون عشوائيا كما حدث حتى الآن مع أغلب المنشآت، إنما سيكون وفق منهجيات أكثر تنظيما تسمح باستغلال الموارد البشرية وغير البشرية الى أقصى حد وتؤدي لرفع إنتاجية الموظف والطالب الى مستويات أعلى مما كانت عليه في ظل العمل والتعلم التقليدي.

كما سيقوم كل فرد فينا بإجراء تغيير ما على ديكور منزله ليوفر مكان هادئا وملائما يساعد على العمل والتعلم عن بعد بشكل لائق ومريح. وسيصبح البيت مركز عمل إضافة لكونه مركزا أسريا. سيعتاد الجميع على العمل من المنزل بل ومن أي مكان ولن يصبح المكتب عنصر مهما في الحياة العملية.

طبعا نتيجة لكل ذلك، ستنخفض التكاليف العامة بشكل كبير خصوصا تكاليف النقل والصيانة، وسيتاح العمل والتعلم لعدد أكبر من الناس بحرية وعدل. كما ستزداد جودة السلع والخدمات ومستوى ثقافة وتعلم الفرد فالتعلم الذاتي سيصبح سمة تميز الجميع من كافة الأعمار.

كما وسيكون للبيانات الضخمة حصة الأسد هنا، حيث ستتوفر كمية هائلة من البيانات عن الطلاب ومسيرتهم التعليمية والموظفين وأدائهم المهني. ستكون هذه البيانات كنزا حقيقيا لمتخذي القرار في منشآت الأعمال والمؤسسات التعليمية والحكومات وسيكون تحليلها الشغل الشاغل للتطبيقات المختلفة التي ستظهر خلال السنوات القادمة.

نعم…..ستختفي الخصوصية هنا الى حد كبير، وسيحتاج الفرد منا الى مجهود كبير للحفاظ على الحد الأدنى من خصوصيته.

الاكتفاء الذاتي.

لن يعود الاكتفاء الذاتي مجرد شعار يتغنى به البعض إنما حاجة أساسية لا غنى عنها لاي دولة وجزء أساسي من اقتصادها. فالحظر الشامل وإغلاق الحدود واحتمالية استمرار أو عودة الكورونا بنسخ جديدة، سيفتح الأفاق للتفكير جدياً وبشكل عملي في كيفية الاعتماد على الذات وتمكين الإنتاج المحلي الصناعي والزراعي والعمل على تنميته بشكل او باخر لأنه قد يكون الحل الوحيد للحياة.

وسيتضمن ذلك أيضا التفكير مليا بمشاريع الخصخصة، فتحكم الحكومة بالمشاريع الصحية والتعليمية سيكون أبرز مظاهر ما بعد كورونا لضمان الحد الأدنى من الحياة للمواطنين. بل إن الاستجابة السريعة للحكومات ستصبح سمة أساسية لاي أزمة فيما بعد.

ولن يقتصر أمر الاكتفاء الذاتي على الدول إنما حتى على مستوى الأفراد في المنازل أيضا. سنعود لنرى الخبز يصنع في المنازل وأساسيات الطعام تجهز من قبل الأمهات وستقل الى حد ما عمليات شراء الكماليات من الأسواق.

ان نقص الأدوية والكمامات وشح بعض المواد الغذائية أثناء الحظر علمنا الكثير وكما قال أمين الريحاني” ‏الأمة التي لا تنتج تموت، ولو كانت جبالها من الفضة وسهولها من ذهب“.

ومن المتوقع أيضا أن تنتشر برامج الحماية الاجتماعية ويزيد التكافل الاجتماعي بين الناس بعد كورونا، فتجربة العزل الصعبة ستجعل الجميع أفراد وجماعات ودول تعمل على تقنين أساليب مبتكرة وجديدة تساعد على تكافل الناس فيما بينهم، فستظهر صناديق زكاة وادخار وقروض وتمويل وسنتنشر التطبيقات المالية الرقمية التي تساعد على تكافل الناس فيما بينهم.

كما سيتغير كثيرا طريقة اتصالنا بالإنترنت باعتبارها هي عصب الحياة في مثل هذه الأوضاع.  ففي الغالب ستصبح الأقمار الصناعية أحد أهم وسائل الاتصال بالإنترنت لتحقق الاكتفاء الذاتي والاستمرارية في هذا المجال نظرا لانكشاف ضعف قدرة شركات الاتصال في اغلب دول العالم العربي على توفير إنترنت سريع قابل للعمل في ظل الضغط الكبير عليها ولعدم قدرتها أيضا على الوصول للكثير من القرى والمدن البعيدة.

وهذا يعني ان شركات الاتصال ستعمل على تحسين خداماتها كما أنها ستتجه أكثر الى توفير حلول أعمال وخدمات تعليمية وترفيهيه أكثر من اعتمادها فقط على توفير خدمات الاتصال، لأنه ستقل حصتها من هذا السوق بشكل أو أخر، وهذا قد بدأ فعلا خلال السنوات القليلة الماضية في بعض الدول.

كل هذا سيؤدي بلا شك الى تحسين كبير في اقتصاديات الدول خصوصا دول العالم الثالث فالاعتماد على الذات وعودة التكافل الاجتماعي قد يخلق نوعا أخر من الاقتصاد مختلف عن الذي واجهناه سابقا.

وأخيرا….رب ضارة نافعة

إن طبيعة الحياة التي سنعيشها بعد كورونا لن تكون سهلة لكنها في ذات الوقت تحمل في طياتها فرصا كبيرة ستكون متاحة لمن هو قادر وجاهز لاستغلالها. هل هناك ظواهر أخرى تعتقد أنها ستميز حياتنا بعد كورونا؟

 

اشترك في نشرة تَعلُم الرقمية
العالم الرقمي يتغير باستمرار ونحن بحاجة لأن نكون على اطلاع دائم فاشترك معنا ليصلك كل ما يمكن أن يساعدك في رحلتك نحو التحول الرقمي سواء في العمل أو التعليم أو التواصل.

د/عماد سرحان

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.

0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *