لم تعد منهجية العمل المرن أو الأجايل تقتصر على إدارة المشاريع فقط بل لقد أوجدت مفهوما آخر للشركات يبتعد عن تلك الأساليب التقليدية في ادارة الاعمال إلى أساليب أكثر مرونة يمكنها من أن تجعل من أي شركة مهما كان حجمها وطبيعة نشاطها شركة مرنة. فالمباديء الأساسية للأجايل يمكن أن تكون منهاج عمل لأي شركة تسعى لأن تكون شركة قادرة على التجاوب مع المتغيرات حولها وتبتكر بشكل مستمر.

ما هي الشركة المرنة؟

‏هي الشركة القادرة على التكيف مع المتغيرات حولها بسرعة وكفاءة. الشركة القريبة إلى عملائها بتوفيرها منتجات وخدمات تلبي رغباتهم ومتطلباتهم الحقيقية بشكل مستمر وآني وبجودة عالية. الشركة المبتكرة التي تتحرك بخفة ورشاقة بعيدا عن ثقل السياسات والإجراءات والهيكل التنظيمي الجامد. الشركة التي يمكنها بأقل التكاليف وبأقل مجهود أن تحقق أكبر عائد ممكن.

العناصر الخمسة للشركة المرنة

تتركز الشركة المرنة على 5 عناصر اساسية:

القيمة الحقيقية

‏حتي تتحول الشركة التقليدية إلى شركة مرنة فلابد لها اولا أن تتحول من تركيزها على تحقيق الأرباح كهدف رئيسي إلى هدف السعي لتوفير قيمة حقيقية لعملائها عبر المنتجات والخدمات التي تقدمها، فالربح هو في النهاية نتيجة وليس هدفا.

ولا يتحقق ذلك إلا إذا تم اعتبار العميل كجزء أساسي من الشركة بل والتعامل معه على انه المدير الحقيقي لموظفيها وليس مجرد طرف خارجي عنها. لابد أن تتركز جميع جهود الشركة على هذا العميل بتوفير المنتجات والخدمات ذات القيمة الحقيقية له وبشكل مستمر من خلال تطوير تجربة استخدام مميزة يتم بنائها بما يلائم احتياجاته الفعلية والتي تم الوصول لها عبر التحليل العميق للبيانات المتوفرة. وليس عبر الرؤى والاحلام.

والحقيقة ان الأسلوب المتدرج في بناء المنتجات والذي تتبناه منهجية العمل المرن يساعد على التركيز على القيمة الحقيقية التي سيوفرها المنتج للعميل وليس على الربح الذي سيحققه. فمن المعروف أن أول خطوة في بناء أي منتج وفق منهجية العمل المرن هو العميل الذي ينبغي التعرف عليه بدقة وعلى مدى قدرة ذلك المنتج على تلبية احتياجاته بشكل حقيقي وفعال. العديد من التجارب التي ينبغي القيام بها دون تكلفة تذكر قبل اثبات مدى الحاجة للمنتج فعلا وقبل البدء بانتاجه وتوفيره بشكل فعلي وعلى نطاق واسع.

كما ان تطوير اي منتج في ظل منهجية العمل المرن في الشركة المرنة يبدأ دائما ببناء الحد الأدني من المزايا التي يحتاجها المستخدم فعلا ثم التطوير والتحسين المستمر بعد ذلك على مراحل. هذا الحد الأدنى والمراحل التي تتم بعده يتم تخطيطها وتنفيذها وفق اولويات العميل في الدرجة الاولى. مما يعني أن رضى العميل هو الأهم هنا وليس سرعة الإنتاج وتحقيق الأرباح وزيادة العائد على الاستثمار.

هذا بالطبع عكس الانتاج الضخم الذي تتبعه أغلب الشركات التقليدية والذي يأتي مرة واحدة وبعد فترة تنفيذ طويله والذي يهدف  في الدرجة الاولى لتوفير اكبر قدر من المزايا المهمة وغير المهمة في المنتج أو الخدمة عند اطلاقه. هنا لا يبدو العميل ضمن دائرة اهتمام المنتج بل عملية الإنتاج هي الأهم حيث لا يتم الاعتماد على رأي العميل في الإنتاج أو التوزيع ولا يتم التواصل معه لفترة طويلة من الزمن بل إنه حتى لو حدث ذلك فانه من الصعب التعديل والتغيير في المنتج وفق حاجة العميل لأن هذا سيكون مكلفا جدا في ظل الإنتاج الضخم.

لاحظ أن الفشل في الطرق التقليدية في الإدارة والإنتاج فشل كارثي لإنه يأتي عادة بعد استهلاك الكثير من الاموال والمصادر والوقت. أما في الشركة المرنة فإن الفشل هو طريق لتحقيق النجاح فهو المعلم الأكبر الذي يرشد الى المنتج الأفضل والملائم أكثر للعميل.

فرق عمل صغيرة

تعتمد الشركة المرنة في عملها على فرق عمل صغيرة  ذاتية التنظيم لا تحتاج إلى توجيه مباشر من احد ويتفاعل أفرادها فيما بينهم بتناسق وتناغم ولديهم الشغف والحماس لتحقيق هدف محدد بالطريقة التي يرونها مناسبة . وهذا عكس الشركات التقليدية التي تعتمد على هيكل تنظيمي ثابت مكون من أقسام وادارات عادة ما تكون كبيرة الحجم تتدرج فيها السلطة من أعلى لأسفل وتفتقر إلى أي تواصل أو تفاعل حقيقي بين العاملين.

والحقيقية إن التحول نحو الإدارة بشكلها المنبسط هذا وبدون هيكل تنظيمي هرمي امر يحتاج إلى الكثير من الجهود على مستوى الشركة وأيضا على مستوى الأفراد. ففكرة التخصص في العمل والوصف الوظيفي التفصيلي والادوار المحددة للموظفين والتقسيم الإداري والمهني غير موجودة هنا لأن الأعمال توكل في الشركة المرنة لفرق عمل وليس لأفراد. ولان المدير هنا مجرد ناصح ومستشار Adviser يقدم الدعم والارشاد دون أن يأمر او يوجه او حتى يشرف.

المسميات الوظيفية في الشركة المرنة تحدد فقط  الحد الأدنى من المسؤوليات على الموظف وتحدد أيضا صفة الموظف عند تعامله مع العالم الخارجي ولا تحدد اطلاقا ما يقوم به الموظف داخل الشركة وضمن فريق العمل الذي ينتمي اليه.

التغيير هنا ليس تغيرا بسيطا أو عاديا إنما هو تغير جذري في طريقة التفكير وأسلوب العمل وثقافة المنشأة. لكن في ذات الوقت فإن النتائج ستكون مبهرة لأنك لن تجد موظفا بلا عمل أو مدير يجلس على مكتبه لايفعل شيئا سوى ممارسة سلطة لا تؤدي إلى أي نتيجة حقيقية.  لن تجد أعداد كبيرة من الناس تعمل معا دون حتى إن يعرف بعضهم البعض.

إنما ستجد أفراد يتعاونون ويعملون ضمن مجموعات صغيرة يعرف بعضهم بعضا ويدفعهم الحماس لتحقيق شيء ما وليس فقط الحصول على الراتب في آخر الشهر.  سترى إنجاز يتحقق على أرض الواقع وليس مجرد كلمات رنانة أو عبارات جوفاء. ستجد الجميع يعمل وينتج ويناقش ويبدي رأيه ويطرح أفكاره.

لن يتوقف العمل بسبب غياب أحدهم فبيقة فريق العمل ستكون جاهزة للتعويض.

لن يشعر أحدهم بالملل أو عدم الرغبة بالعمل لإنه يحقق شغفه وذاته بل وهويته أثناء عمله.

لن يحتكر أحدهم المعرفة لإنه يعلم تماما إن مشاركتها مع مجموعته سيضيف له الكثير من الخبرة.

لن يشعر أحدهم بالخوف على وظيفته لإنه يشعر بالأمان والثقة التي يمنحها له زملاءه ومن يعملون معه .

ستكون إنتاجية فريق العمل أفضل بكثير عندما يعملون ضمن بيئة تشاركية مفتوحة تمنحهم الثقة وحرية العمل والأمان بعيدا عن الإجراءات الروتينية والأوامر الصارمة والقوانين والسياسات العقيمة وبعيدا أيضا عن الخوف من ارتكاب الأخطاء أو الىمجازفة بالقيام بمهام جديدة أو الخلاف في الرأي مع أحدهم. بيئة تساعد على نقل المعرفة واكتساب الخبرة وتحفز الإبداع والابتكار.

هنا ققط سيكون لديك الفريق الذي يمكنك من الاستجابة بشكل أفضل وأسرع لحاجات عملائك بل وستكون أكثر إبداعا وابتكارا في مواجهة التغيرات المتسارعة التي قد تأتي من العميل أو من السوق.

فترات تنفيذ قصيرة

‏في الشركة المرنة يتم تنفيذ الأعمال والمشاريع والمنتجات على مراحل متعاقبة وبفترات زمنية قصيرة لا تتعدي الشهر لكل فترة بحيث ينتج عن كل مرحلة منتج قابل للعمل وذلك بناءا على أولويات يتم تحديدها بما يتفق فقط مع القيمة الحقيقية التي سيقدمها المنتج للعميل بعيدا عن الإجراءات والوثائق والاطالة التي لا توفر أي قيمة حقيقية للعميل أو المشروع.

يلائم ذلك طبيعة الأمور في الواقع العملي فالعميل لا يعرف في غالب الأحيان ما يريده بالضبط إلا عندما يرى المنتج أو يبدأ بتلمس الخدمة التي طلبها حيث تبدأ عندئذ متطلباته تظهر بشكل أوضح بل إن تلك المتطلبات والاحتياجات تزداد بشكل مستمر وتدريجي مع مرور الوقت ولا يمكن أن تقف عند حد.

لاحظ أن الفشل في تحقيق متطلبات العميل في الشركات التقليدية هو نتيجة أن العميل لا يرى المنتج أو الخدمة الا بعد مرور فترة تنفيذ أو انتاج طويلة نسبيا، وعندها يبدأ في رفض المنتج أو تغير تلك المتطلبات التي تم الاتفاق عليها مسبقا ومن هنا تبدأ المشاكل في البيع أو التسليم او التنفيذ. العميل هنا في الحقيقية لم يغير متطلباته انما هو قد بدأ في اكتشافها لإنه رأي المنتج أخيرا. هذا يعني أن كل الجهود التي تمت في تصميم المنتج أو الاتفاق على متطلبات التنفيذ قد ضاع سدى بدون أي فائدة تذكر.

لذلك كان العمل على فترات تنفيذ أقصر وبالتدريج وعلى مراحل هو الحل الأفضل لإنه سيساعد على أن تظهر النتائج بشكل سريع وملموس ومستمر فيشعر العميل بالمنتج ومدى تطوره دون ان يحتاج الى الانتظار لفترات زمنية طويلة.  وبالتالي ستكون الفرصة للتغير والتعديل أكبر وبتكلفة أقل حتى لو كان ذلك التغيير جذريا.

كما سيساعد ذلك على كشف المشاكل فور حدوثها مما يقلل من تكلفة إصلاحها ويعمل على كسب رضى العميل بشكل سريع لإنه يرى إن رأيه يتم الأخذ به دائما. كما ويدعم الإبداع والتعلم المستمر لدى فرق العمل لأنهم سيتعلمون من أخطائهم وسيطورن في المنتج بشكل مستمر بل ومبدع.

لم تعد حاجات المستخدمين مرحلة من مراحل العمل وتنتهي بل هي عمل مستمر ودائم لا يتوقف. في النهاية لا يوجد منتج كامل والوصول للكمال مستحيل. لكن الوصول لرضى العمل بالعمل والتطوير المستمر أمر ليس بالمستحيل.

منتجات مخصصة

تبدو المنتجات في الشركة المرنة مخصصة ومناسبة لكل عميل على حدة فهي قادرة على تلبية احتياجاته الحالية والمستقبلية بشكل شخصي وكأنها أنتجت له هو فقط.
والسبب في ذلك يعود إلى أن المنتج اعتمد في إنتاجه على العميل أولا ويتم تطويره بشكل مستمر ودائم اعتمادا على بيانات وحقائق جاءت من العميل واستخدامه للمنتج وليس بالاعتماد على امنيات واحلام مدير المنتج او مدراء الشركة. .
لاحظ هنا أن الشركة المرنة لا تقف عند تلبية الاحتياجات الحالية لعملائها فقط بل تسعي ايضا لأن تكون منتجاتها وخدماتها قادرة على تلبية احتياجات العميل في المستقبل بمرونة عالية ودون اضطرار العميل لتغير السلعة. ويتم ذلك من خلال طرق عدة طرق أهمها:

  • استخدام البرمجيات كجزء من أي منتج أو خدمة يتم توفيرها أيا كان نوعها لأن ذلك بشكل يساعد على التطوير في المنتج من خلال التطوير على تلك البرمجيات دون الحاجة لتغير المنتج نفسه. هذا ما يحدث مثلا مع سيارات تسلة الكهربائية حيث أن السيارة تتطور بتطوير برمجياتها دون الحاجة لتغيرها.
  • استغلال التقنيات الحديثة في إنتاج. وتوفير تلك المنتجات كإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة. والحوسبة السحابية التي تساعد على تسريع الإنتاج والتغير فيه دون تكلفة عالية وأيضا على الإبداع في العمل. فيمكن مثلا مراقبة استخدام المنتج عبر إنترنت الأشياء (بعد إذن العميل طبعا) والحصول على بيانات من المنتج أثناء استخدامه ثم تحليلها باستخدام تقنيات البيانات الضخمة مما يمكنك من تقديم النصح أو اجراء تطوير على المنتج أو الخدمة المقدمة وكل ذلك يتم عبر استخدام الحوسبة السحابية التي لا تتطلب من الشركة المرنة امتلاك أجهزة وتطبيقات باهظة التكلفة..
  • استخدام المنصات الرقمية Platforms لخدمة العملاء بشكل شخصي ومخصص وآني بدلا من الأساليب التقليدية البطيئة في توزيع المنتجات والخدمات وايصالها. حيث يمكن للعميل من خلال المنصات طلب المنتج أو الخدمة حسب حاجته بل تخصيص المنتج أو الخدمة التي يريد بالطريقة التي يريدها هو كما ويمكن للمنصات الإلكترونية أن توفر له الفرصة لطلب تغير في تصميم المنتج مثلا او طريقة تقديمه مما يعطي أفكارا للشركة المنتجة لم تكن لتظهر لولا مشاركة العميل وتفاعله. ها ما يحدث في منصات التجارة الإلكترونية التي تستخدمها كبيرات الشركات في العالم.

هذا يؤكد على أن العميل هو محور اهتمام الشركة الناشئة وأن توفير المنتج بالشكل الذي يريده كل فرد سيكون له تأثير أكبر على رضى العميل ونجاح المنتج.

الشفافية

‏تتمتع الشركة المرنة بشفافية عالية تفوق بكثير الشركات التقليدية وهذه الشفافية لا تنحصر بالموظفين فيما بينهم أو قياداتهم فقط بل ومع العملاء أيضا. فالمعلومات متاحة للجميع والمكاتب مفتوحة والاجتماعات قصيرة ومباشرة.

المكاتب مفتوحة ليس فقط بالديكور انما المعلومات متاحة للجميع بما فيهم العملاء وهذا لا يقتصر على المعلومات السارة والجيدة فقط انما يمتد لكل شيء فمعرفة أوجه القصور والصراحة مع العميل هي أساس بناء ثقة بين جميع أطراف، العمل العميل والموظف والمدير.

والاجتماعات الطويلة المملة ليس لها مكان في الشركة المرنة بل اجتماعات قصيرة ذات هدف واضح وتعتمد بشكل كبير على دعم التواصل والتفاعل والتشارك بين الموظفين والإدارة بل ومع العميل أيضا.

لا مكان هنا للرياء والمجاملات بل للحقائق والوقائع مهما كانت مؤلمة أو صادمة لإنه الطريق الوحيد للشركة لكي تنمو وتتطور على أسس سليمة ولمدى زمني طويل.

هذا يوفر جو من الثقة يساعد على الإبداع والتطوير دون خوف فالمشاكل يتحمل مسؤوليتها الجميع والأخطاء مقبولة على ألا تتكرر والجميع يعمل لتحقيق هدف واضح وجلي .

ما النتيجة؟

شركة مرنة رشيقة غير مثقلة بالأحمال حتى لو كان عدد موظفيها كبير أو اعمالها ضخمة. شركة تركز على العميل وتعتبره جزء منها. توفر منتجات إبداعية مبتكرة قابلة للتطوير والتغيير حسب حاجات العملاء الحالية والمستقبلية. وفترات تنفيذ قصيرة للأعمال ينتج عنها شيء ملموس بشكل مستمر. وهيكل تنظيمي مرن مفتوح يعتمد على فرق عمل صغيرة متفاعلة ذاتية التنظيم لا تحتاج للإدارة التقليدية المباشرة وفي النهاية أفكار تأتي من كل مكان.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.

إعلانبي هايف