ينظر الكثيرون الى النظام الدولي في التعليم سواء البريطاني أو الأمريكي على أنها صرعة أو موضة تجاري العصر. أو أنها مجال لتعلم اللغة الإنجليزية بشكل أفضل. وينظر اليها أخرون على أنها تغييب لعقول أولادنا وابعادهم عن لغتهم العربية ودينهم. هذه النظرة لا تقتصر على أولياء الأمور فقط انما أيضا على بعض من يؤسسون تلك المدارس التي تدرس وفقا لتك المناهج الدولية. هذه النظرة الضيقة قد تضيع فرصا عظيمة في إمكانية الاستفادة من تلك المناهج فيما لو تم استغلالها بالشكل المطلوب سواء من أولياء الأمور أو من المدارس أو حتى من قبل المسؤولين ومتخذي القرار في تحقيق تطور حقيقي في العملية التعليمية. فهي ليست مجال لتعلم لغة فقط أو مجرد موضة ينبغي الجري ورائها بل أنها قد تكون أفضل ما يتوفر اليوم بين أيدينا لبناء تعليم حقيقي.

لماذا المناهج العالمية؟

ببساطة لأننا لا نملك في أغلب دول العالم العربي مناهج تستطيع أن تؤهل متعلمين حقيقين كما هو الحال مع المناهج العالمية (وللأسف). فأغلب المناهج العربية مناهج جامدة صلبة لا تصلح الا لمن يقرر أن يلغي عقله. مناهج صممت ليمتحن الطلاب بها فقط فيخزنوا المعلومات ليفرغوها في أوراق الامتحانات نهاية العام. فرغم كل الجهود التي تبذل لتطوير المناهج في المنطقة العربية الا أنها للأسف تتطور نحو الأسواء  فعندما أقارن الكتاب المدرسي اليوم بما كان لدينا قبل 20 عاما أجد أننا كنا في ألف نعمة.

يحتاج خريج المناهج العربية الى أن يبذل جهدا ذاتيا مضاعفا ليستطيع التميز خصوصا في عصر أصبحت فيه المنافسة شديدة والحاجة لإكتساب المعرفة مهمة. وسيكون محظوظا أكثر أن أكرمه الله بمعلم متميز يساعده على أن يتعلم خارج إطار تلك المناهج الجامدة. ومن هنا فقط يخرج المتميزون في التعليم العربي التقليدي اليوم.

نعم تأيدنا للعربية ينبغي ألا يؤدي بنا الى الايمان بأي تعليم عربي مهما كان مستواه، فإما أن يكون لدينا القدرة على بناء مناهج عربية متميزة ومختلفة وقادرين على تحمل تكلفة ذلك ولدينا الموارد البشرية القادرة على التنغيذ ونملك الارادة لتحقيقه وأما أن نستغل ما هو موجود ونطور عليه قدر ما نستطيع.

دعونا نبتعد عن التنظير ونتعامل مع الواقع فلا نخترع العجلة من جديد فندعو لتطوير لمناهج لا نستطيع تنفيذها. دعونا نحاول أن نستغل تلك المناهج العالمية ونبني عليها. بالتأكيد هي لا تخلو من العيوب لكنها أقل بكثير من تلك التي تعاني منها مناهجنا العربية ونحن نستطيع استخدامها وتطويعها لحاجاتنا في المنطقة العربية بدلا من أن نطور ونطور في مناهج لا تتطور.

المناهج العالمية تخاطب العقل أكثر وتركز على اساسيات العلوم وليس على قشورها. هي تعلم الطاب كيف يمكن أن يشكل جوهر العلوم واساسه بالطريقة التي يريد لا أن تُفرض عليه بشكل صلب وجامد. تشجعه على الممارسة بشكل أكبر والتفكير النقدي والمجازفة والمنافسة مع الأخرين والتشارك معهم. حجم التعلم الحقيقي هنا أكبر بمراحل مما هو عليه في المناهج العربية، قد لا يكون ذلك بالشكل المثالي المفروض أن يكون عليه التعليم لكنه على الأقل أفضل من المحاولات الفاشلة التي يخوضها العالم العربي في تطوير مناهجه دون جدوى.

لنستفد من خبرة الأخرين ولا نضيع جهودنا في اختراع العجلة من جديد ولنركز جهودنا أكثر على تطوير مناهجنا في اللعة العربية والدين فربما يكون ذلك أولى. من إعادة بناء مناهج في العلوم والرياضيات لن يستفيد منها الطلاب بعد ذلك بل ولم ننجح في تحقيقيها.

لكن أين الدين واللغة من كل هذا؟

اللغة العربية جزء من تلك المناهج العالمية فهم يقدرونها أكثر منا نحن. والكثير من المدارس العالمية في العالم العربي تفرض دراسة اللغة العربية كمادة أساسية الى جانب المناهج العالمية، والعربية أحد اللغات التابعة للمنهاج البريطاني IG مما يعنى عدم ضياع الطالب في غياهب التغريب كما قد يعتقد البعض. هذا بالطبع مع بقائه يتعلم العلوم الأخرى باللغة الإنجليزية لأنها للأسف لغة العلوم اليوم وهي التي سيستخدمها في المستقبل. لا داعي لأن أحمل الطالب مسؤولية انحدار امتنا العربية فيتعلم العلوم بلغة لن يستطيع استخدامها بعد ذلك.

للأسف علينا أن ندرس العلوم بلغة العلوم اليوم كما كان الناس القدماء يدرسون العلوم باللغة العربية عندما كانت هي لغة العلوم.

لكن هذا لا يعني الغاء اللغة العربية أو اقتصارها فقط على قواعد النحو والصرف بل نحن بحاجة لأن يتعامل الطالب الذي يدرس تلك المناهج العالمية مع اللغة العربية بشكل يومي. لو علمنا طلابنا كيف يكتبون بالعربية ويقرأون بالعربية لكفى ذلك ولتمكنوا من تحويل ما يتعلمون باللغة الإنجليزية الى العربية متى أرادوا ذلك. ليركزوا على تعلم جوهر اللغة واستخدامها في مجالات شتى بدلا من أن أعلمهم العلوم أو الرياضيات بها فهذا أولى.

عندما أقرأ أحد كتب العلوم في المناهج العربية أشعر أني أقرأ كتابا في تعليم اللغة العربية أكثر منه كتاب علوم خصوصا في الصفوف الأولى التي يكون فيها الطالب مستعدا للحصول على المعلومة أكثر من أي وقت أخر.

أما الدين فمن المعروف أنه لا يدرس في المدارس الغربية أصلا وذلك منذ الستينات من القرن الماضي، ورغم ذلك فهو جزء أيضا من المنهاج العالمي البريطاني IG.  لكن مع ذلك ألا يمكننا نحن أن نؤسس لمناهج إسلامية وعربية بصبغة عالمية. هناك تجارب ناجحة في هذا المجال لكنها ربما لم تصل الى تلك الشهرة التي وصلت اليها المناهج العالمية المعروفة.

ماذا نفعل؟

أنا أعشق اللغة العربية وأدعو لاستخدامها في كل مكان لكن يبدوا أننا غير قادرين على بناء مناهج قوية بها ولا سبيل أمامنا الا الاعتماد على ما هو متوفر بين أيدينا ونطويعها لنا حتى يحدث الله أمرا. لذلك أقترح:

  • التوسع في استخدام المناهج العالمية قدر الإمكان حتى في المدارس الحكومية والاهتمام بتأهيل المعلمين القادرين على تدرسين هذه المناهج. فليست كل المدارس العالمية في العالم العربي صالحة ومؤهلة لتدريس هذا النوع من المناهج بل هي تعاني من ندرة المعلمين المؤهلين لتدريس هذا النوع من المناهج.
  • العمل على دمج الدين واللغة العربية في هذه المناهج بشكل عملي ولا اتحدث هنا عن مجرد تدريسها انما دمجها بما يتعلمه الطلاب بشكل يومي وهذا يعتمد بشكل كبير على المعلمين والمدارس بالمقام الأول.
  • تخفيض تكلفة هذا النوع من التعليم حتى لا يكون مقتصرا على الاغنياء فقط وعلى المدارس أن تعمل على توفير المنح الدراسية للمتوفقين منهم ليتمكنوا من الحصول على حقهم في هذا التعليم حتى لو تم ذلك بدعم مالي من جهات وأشخاص خارج المدرسة.
  • تفعيل التعليم الإلكتروني في تدريس المناهج العالمية سواء كليا أو جزئيا وجعله خيارا متاحا للطلبة حتى لمن هم على مقاعد الدراسة في المدارس الحكومية أو الأقل حظا.

وأخير ….التحول الى التعليم الرقمي عبر المناهج العاليمة

قد تكون المناهج العالمية الأداة المتاحة لنا اليوم للتحول نحو تعليم رقمي حقيقي متميز دون تكلف ميزانيات ضخمة لتطوير مناهج عربية. فهي الأنسب للعصر الرقمي والجيل الرقمي الذي يتعلم الأن رغم أنها ليست الأمثل. لماذا لا يتم العمل على بناء مدارس إفتراضية أو مقررات مفتوحة تعتمد تلك المناهج وتبني عليها فهذا سيؤدي حتما الى تخفيض التكاليف وتوسيع نطاق التعليم المتميز لعدد أكبر من المتعلمين ويستغل المعلمين المتميزين أفضل استغلال بعيدا عن قيود المدرسة التقليدية.  هي قضية للنقاش ووجهة نظر فما رأيكم؟؟ شاركنا تعليقك أو تواصل معنا.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.

إعلان Web Hosting