ما زلنا نشتكي من قلة نسبة المحتوى العربي على شبكة الإنترنت وما زلنا نبحث عن الأسباب فلا نجدها. فرغم كل الجهود التي تبذل لتعزيز تواجد اللغة العربية على الإنترنت الا أنها ما زالت في مكانة لا تناسب عدد متحدثيها في العالم ولا تناسب نسبة مستخدمي الإنترنت العرب ولا تناسب ذلك الإقبال الكبير الذي نراه اليوم على تعلم اللغة العربية في العالم. في اليوم العالمي للغة العربية والذي تحتفل به الأمم المتحدة في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام ما زلنا نبحث عن الحل لجعل هذه اللغة تأخذ مكانة تناسبها.  نحن بحاجة لتعزيز انتشار اللغة العربية في العالم الرقمي ولا يمكن أن يحدث ذلك الا من خلال منظومة رقمية متكاملة تدعم القراءة والكتابة والنقاش بالعربية بعيدا عن الشعارات الرنانة أو الاهتمام بتفاصيل صغيرة لا قيمة لها.

الاهتمام بالعربية في العالم الرقمي لا يقف عند أن تكتب اسمك بالعربية أو أن تستخدم واجهة استخدام للتطبيقات بالعربية  ولا يقف عند الاهتمام بالقواعد اللغوية فقط انما يتعدى ذلك بكثير.

هل تخجل من القراءة باللغة العربية؟

رغم كل تلك الأرقام التي تدعم زيادة عدد ساعات القراءة في العالم العربي الا اننا ما زلنا نعاني من هجرة القراءة ولا أقول هجرة الكتاب. فالقراءة اليوم لا تقف عند الكتاب فقط لأن الإنترنت أصبحت مصدرا أساسيا للمعلومات لا يقل أهمية عن الكتاب ونحن لا نقرأ عبر الإنترنت سوى القليل. لو نظرت الى ما يقرأه أغلب العرب في العالم الرقمي لوجدته ينصب في الروايات والحكايات ومنشورات الفيسبوك وتغريدات تويتر ولا يتجاوز ذلك الا قليلا، ويستثنى من ذلك ما نحتاج قراءته لأجل أعمالنا. فأين القراءة الحقيقية من ذلك وكيف يمكن للمحتوى العربي على الإنترنت أن ينمو ما لم يجد من يقرأه.

نحن بحاجة لمبادرة شبيهة بتحدي القراءة  لكن  في العالم الرقمي لتعزيز القراءة بالعربية عبر الإنترنت وفي مختلف العلوم لكي نستطيع تعزيز المحتوى العربي الرقمي. فلا يمكن أن تزيد نسبة المحتوى العربي على الإنترنت الا إذا زاد عدد قراءه. وهذا يحتاج أن نتخلى عن فكرة أن المحتوى العربي المتخصص موجه فقط لمن لا يعرف سوى العربية ويجهل التعامل مع اللغات الأجنبية، بل نريد أن نشجع على القراءة بالعربية لجميع العلوم والتخصصات حتى لمن يتقن غيرها من اللغات، فلا تكون للغة العربية دليلا على دنو مستوى القارئ.

لو عرض عليك مقالين متعلقين بالتسويق الرقمي بالعربية والإنجليزية وأنت متقن لكلا اللغتين فأي المقالين ستختار لقراءته؟
لو وجدت كتابا عربيا متخصصا ببرمجة الكمبيوتر وأنت متقن للإنجليزية فهل ستقرأه؟

دعونا نعلم طلابنا العلوم والرياضيات والبرمجة بالإنجليزية لكن لنجعلهم في ذات الوقت يقرؤون العلوم والرياضيات بالعربية. دعونا نستخدم الإنجليزية إذا احتجنا لها في أعمالنا ولكن لا مانع من أقرأ مقالا ثريا بالعربية يمس عملي أو تخصصي. دعونا نتخلى عن النظرة الدونية لمن يستخدم العربية قبل أن نفكر في تشجيع أجيالنا على القراءة. دعونا نقرأ.

جرب أن تقدم عرضا تقديميا متخصصا تعودت على أن تقدمه بالإنجليزية لتقدمه باللغة العربية حتى لو كانت شرائح العرض بالإنجليزية. جرب وقم بقياس مدى تفاعل الجمهور في الحالتين. الا يكون التفاعل باللغة الأم أقوى؟؟

الكتابة الطريق نحو القراءة

من يقرأ فعلا فلا بد أن يكتب والا فهو لم يقرأ. هذه قاعدة بسيطة تعني أن كل شخص فينا قادر على أن يكون كاتبا متميزا بمجرد أن يقرأ. فعبر القراءة تتفتح في ذهن القارئ الكثير من الأفكار والمعارف والخبرات التي يمكنه أن يكتب عنها. بالقراءة يكتسب القارئ أساليب وطرق يمكنه أن يستخدمها لكي يكتب بمهارة وبأسلوبه هو. فإذا أردنا تعزيز استخدام العربية فعلا في العالم الرقمي فلابد أن نشجع الجميع على الكتابة فهي طريقهم للقراءة.

في العالم الرقمي لا جدوى من قارئ لا يكتب ولا جدوى من كاتب لم يقرأ.

تخيلوا لو أن كل قارئ عربي كتب على الإنترنت فما هو حجم المحتوى الذي سنحصل عليه من هذا الكم الهائل من القراء. وتخيلوا أيضا لو طلب كل معلم من طلابه أن يدونوا بالعربية عبر الإنترنت كنشاط تعليمي بديل عن تلك النشاطات التقليدية التي عادة ما يتم استخدامها في المدارس فكم كاتب سيخرج لدينا في المستقبل. هنا فقط ستحدث زيادة حقيقية في حجم المحتوى العربي الرقمي. وهنا فقط سيقرأ الناس محتوى متميز بالعربية عبر الإنترنت.

لاشك بأن الكتابة هي الوسيلة الأهم لاكتساب معرفة حقيقية لأن من يكتب لابد أن يبحث ويستنتج ويفكر ويناقش ويحلل ويسأل. إن شجعنا على الكتابة شجعنا على اكتساب المعرفة الحقيقية سواء أثناء التعليم أو العمل. أكتب لكي تتعلم ولكي تقرأ ولكي تناقش.

ناقش حتى تتعلم

يعاني المجتمع العربي من ضعف النقاش والحوار الحقيقي في العالم الرقمي فقلما تجد من يعقب على المقالات المنشورة على شبكة الإنترنت حتى في تلك المواقع المعروفة والشهيرة والتي يزورها عدد كبير من الزوار الا في المواضيع الفنية والاشاعات. هذا بالطبع عكس تماما ما تراه في المواقع الغربية فحجم النقاش على أي مقال يعتبر ضخما لدرجة أنك قد تستغرق في قراءة ذلك النقاش أكثر من قراءتك للمقال ذلته.

أذكر عندما قمت بالالتحاق ببعض المقررات الدراسية المفتوحة في المواقع الغربية كغيري من الناس، كنت أتعلم من نقاش الطلاب على ما يقوم المعلم من طرحه أكثر مما كنت أتعلم من المعلم ذاته خصوصا عندما نتحدث عن متخصصين وأساتذة جامعات كانوا يحضرون تلك المقررات دون خجل أو تكبر. لقد كان النقاش النصي أداة مهمة لتعميق المعرفة بل وبناء معرفة جديدة تحصل عليها من معارف الأخرين وخبرتهم.  وهذا على عكس ما وجدته في المواقع العربية التعليمية التي يتمحور النقاش عادة فيها على المجاملات وشكر المعلم وتمجيده أحيانا دون قيمة حقيقية الا نادرا.

النقاش هو أحد أهم طرق تعزيز انشتار اللغة العربية فيما لو أقنعنا الناس أن تناقش. فالمحتوى الناتج عن ذلك النقاش سيعزز مكانة اللغة العربية في العالم الرقمي لأنه نتاج معرفة وخبرة حقيقية يعرضها الناس أمام الجميع. وهذا ما نحتاجه أكثر من المحتوى الجامد الذي قد يكون بعيدا عن الواقع.

لكن لا يمكن للناس أن تناقش الا إذا مارست الكتابة ولا يمكن أن تمارس الكتابة الا إذا مارست القراءة. انها حلقة مرتبطة بعضها ببعض. فحتي نشجع الناس على النقاش لابد ان يملكوا مهارة الكتابة النابعة عن قراءة حقيقية وليس مجرد الكتابة من أجل الكتابة كما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا يأتي دور المؤثرين العرب على وسائل التواصل الاجتماعي في أن يكتبوا ويشجعوا الناس على  النقاش بالعربية، ودور المعلمين في أن يجعلوا من النقاش النصي العربي جزءا من نشاطتاهم التعليمية، ودور المدراء في الشركات ليجعلوا من النقاش النصي بالعربية جزءا من العمل اليومي.

ترى ما الذي يمكن أن يشجعك على نقاش هذا المقال؟؟؟

وأخيرا……بالعربي أحلى

علينا أن نضع العربية في مكانها الصحيح في العالم الرقمي. علينا أن نفك ذلك الارتباط بين الجهل باللغات واللغة العربية فلا ننظر لكل من يتعامل مع العربية على أنه جاهل أو دون المستوى. نريد أن نكتب محتوى عربي ثري قوي وأصيل ليقرأه الجميع فيكتبون ويناقشون وهكذا تنتشر العربية بين الناس لتمثل جزءا أساسيا من عمليات التحول الرقمي على مستوى الأفراد والشركات. لا يوجد طريق أخر لتعزيز استخدام اللغة العربية في العالم الرقمي الذي نعيش وإلا فإنها لن تكون جزءا منه في المستقبل.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.