من الشروط الأساسية لأي عملية تحول رقمي في أي بلد هو تواجد حكومة إلكترونية قوية توفر البنية الرقمية المناسبة لنمو الأعمال الإلكترونية وانتقال الناس الى العالم الرقمي بسلاسة. ولم يعد كافيا هنا أن تقتصر الحكومة الإلكترونية على أتمتة المكاتب الأمامية فقط أو توفير خدمات الاستعلام عن المعلومات فهذا كان من الماضي بهدف تسريع التحول الحكومي نحو الخدمات الرقمية. لقد أصبح لزاما اليوم على أي حكومة إلكترونية حقيقية توفير خدمات إلكترونية حكومية متكاملة بشكل قوي ومستقر يمكن الاعتماد عليها. ولا يمكن أن يتم ذلك الا من خلال إدارة سليمة لإجراءات العمل وأتمتة المعاملات الحكومية.

إدارة إجراءات العمل

إدارة إجراءات العمل هي جوهر الحكومة الإلكترونية في تقديم خدمات متميزة للجمهور فلم يعد من المقبول اليوم أن تقتصر الحكومة الإلكترونية فقط على أتمتة عمليات التواصل مع الجمهور كما كان الحال سابقا. فالجهات الحكومية كأي منشأة هي في النهاية تقدم خدماتها للمستفيدين وهذه الخدمات تعتمد بشكل كبير على الإجراءات التي تتم داخل الجهة الحكومية فكلما كانت تلك الإجراءات تحت السيطرة كلما كانت الخدمة المقدمة أفضل.

وبالتالي ينبغي أن تعمل المنشأة الحكومية لأن تصبح جميع النشاطات والإجراءات وقوانين العمل المتعلقة بالمعاملات الحكومية تعمل بتناسق ضمن بيئة مؤتمتة تتيح للعاملين التشارك في المعلومة وإنجاز العمل في ذات الوقت وتقلل من خطر الأخطاء البشرية وتوفر الأمان والسرية للمعلومات المتدفقة.

خارطة الطريق نحو حكومة إلكترونية ناجحة

رغم أن الكثير من المتخصصين قد تحدثوا عما يجب فعله لتحقيق حكومة إلكترونية متميزة. لكن أحدا لم يخبرنا كيف سنصل بمؤسساتنا الحكومية الي المستوى الذي يمكنها من أن تكون جزءا من حكومة إلكترونية ناجحه. وماهي خريطة الطريق التي يجب أن تتبعها أي منشأة لتستطيع أن تقدم خدمات إلكترونية متميزة للناس.

لعلنا لا نستطيع أن نحدد تماما خارطة طريق للحكومة الإلكترونية لكل منشأة  فلكل مننشأة خصوصيتها ومنهجها لتحقيق ذلك. لكن يمكننا أن نقول أن هناك ثلاث مراحل أساسية لابد أن تمر بها أي منشأة حتي تكون قد أكملت طريقها لتوفر خدماتها عبر منظومة الحكومة الإلكترونية, وأي منشأة حكومية اليوم هي في الغالب تقف في واحدة من تلك المراحل.

الأرشفة وإدارة المعلومات

ففي البداية وقبل كل شيء يكون الورق في كل مكان, على المكاتب وفي الأدراج, ويتم إنجاز العمل بشكل يدوي  داخل المنشأة كما يتم التواصل مع الناس يشكل مباشر عبر الحضور والطوابير.فتتكبد المنشأة الحكومية أموالا طائلة في الورق والحبر والعمالة والوقت والمجهود. وحتي تبدأ المنشأة أولي خطواتها نحو الحكومة الإلكترونية فلابد لها أن تحول كافة تلك المعلومات الورقية التي تتعامل معها لأن تصبح إلكترونية بالكامل وتتخلص من الورق فيسهل بذلك تداولها والبحث فيها وإنجاز العمل من خلالها. فلا يعقل أن تدخل المنشأة الحكومة الإلكترونية ومازال الورق هو سيد الموقف.

من المعروف أن أكثر من 50 بالمثة من الوقت يقضيه الموظفون في البحث عن المعلومات لإنجاز أعمالهم كما سيصعب تداول المعلومات الكترونيا فيما بعد.

وحتي تحول المنشأة كافة معلوماتها لتصبح إلكترونية فلابد لها من أنظمة تساعد على إدارة جميع أنواع المعلومات التي تتعامل معها المنشأة من خلال منهجية واضحة سواء كانت معلومات منظمة كالمعلومات المالية أو المحاسبية أو غير منظمة كالمستندات والوثائق. ويتم إستخدام نظم إدارة الموارد ERP لإدارة المعلومات المنظمة وأنظمة إدارة المحتوى ECM لإدارة المعلومات غير المنظمة, فكلاهما يجب أن يعمل بتناسق ليبني مستودعا واحدا مركزيا للمنشأة يجوى جميع البيانات والمعلومات التي تتعامل معها المنشأة فيسهل الوصول الي المعلومة بسرعة ومن أي مكان وبأمان.

أتمتة الأعمال

بعد أن يتكون للمنشأة مستودعا واحداٌ ومركزيا للمعلومات  تبدأ المرحلة الثانية في طريقها نحو الحكومة الإلكترونية وذلك بالعمل على أتمتة المعاملات التي يتم تداولها في المنشأة الحكومية والتي ترغب في تقديمها للجمهور عبر الحكومة الإلكترونية بإعتبار أن المعاملات هي العمليات التي تغلب في المنشأت الحكومية والتي يتوجب أتمتتها وإدارتها,

وليس المقصود هنا الأتمتة من الخارج كما كان الحال سابقا, بل من الداخل لأن ذلك هو الأهم, ففاقد الشئ لا يعطيه. فينبغي أن تعمل المنشأة لأن تصبح جميع النشاطات والإجراءات وقوانين العمل المتعلقة بالمعاملات  تعمل بتناسق ضمن بيئة مؤتمتة, تتيح للعاملين التشارك في المعلومة وإنجاز العمل في ذات الوقت وتقلل من خطر الأخطاء البشرية وتوفر الأمان والسرية للمعلومات المتدفقة.

وتعتبر الأتمتة العنصر الأساسي لإدارة الإجراءات الحكومية والتي تتم من خلال منظومة متكاملة من الأدوات والمنهجيات التي تعمل على المساعدة في أتمتة العمليات شاملة جميع النشاطات المتعلقة بعملية الأتمتة بدءا بالتحليل والتصميم والتنفيذ والمراقبة والربط مع الأنظمة الأخرى, إضافة الى الأدوات التي تحكم تلك المعاملات من ناحية سريتها وتوافقها مع القوانين إضافة الى أدوات التشارك والتفاعل بين الموظفين لقائمين على تنفيذ الإجراءات.

ويفضل في هذه المرحلة أن يتم إختيار المعاملات الأكثر أهمية وتداولا, فيتم البدء بأتمتتها -كما هي- ثم العمل على التحسين فيها مع الوقت, وذلك بإستخدام منظومة أتمتة إدارة العمليات. فهذا أفضل الأساليب في تسريع العمل والوصول الي معاملات مؤتمتة بشكل كامل

البوابة الإلكترونية

وحين يتم ذلك تنتقل المنشأة الي المرحلة الأخيرة نحو الحكومة الإلكترونية والتي تخرج فيها الي المستفيدين عبر البوابة الإلكترونية الموحدة فتقدم خدماتها المؤتمتة بشكل إلكتروني للناس ضمن بيئة أمنه قادرة للوصول الي المستفيدين بأي وسيلة توفرها تقنيات هذا  العصر. لاحظ أن الكثير من المنشأت تبدأ بهذه الخطوة منذ البداية فتقدم خدمة منتقصة للناس, فإن كان ذلك مقبولا في السابق فهذا غير مقبول الأن.

يمكن عبر البوابة الإلكترونية توفير ملف تعريفي لكل مواطن أو مستفيد من الخدمات الإلكترونية بحيث يتمكن من الاستفادة من الخدمات الإلكترونية الحكومية التي يتم اضافتها الى البوابة واحدة تلو الأخرى دون الحاجة لاستخدام أنظمة متعددة. يساعد وجود البوابة الإلكترونية على توفير المعلومات من مختلف المصادر وبما يتوافق مع حاجة كل مستفيد وفقا لملفه الشخصي كما تساعد على الربط مع جميع الأنظمة الحكومية العاملة.

وأخيرا….نحن بحاجة الى خدمات حكومية متكاملة

إنها سلسلة متكاملة من الخطوات التي على أي حكومة إلكترونية أن تمر بها حتى تتمكن من تقديم خدمة متميزة للمستفيدين في العالم الرقمي. فلابد أن تستغي عن الورق أولا ثم تعمد الى أتمتة أعمالها تاليا ثم أخيرا تخرج للمستفيدن عبر بوابة إلكترونية تسهل عليهم الحصول على الخدمة. لقد انتهي عصر أتمتة المكاتب الأمامية وبدأ عصر العمل المتكامل والتحول الرقمي الحقيقي.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.