يحكي في قديم الزمان أن فلاحا بسيطا كان يملك مزرعة صغيرة في إحدي القري البعيدة وكان يربي في مزرعته مجموعة من الأوز التي تنتج له كل يوم بيضا يترزق منه, وفي صباح أحد الأيام وأثناء قيام الفلاح بأخذ البيض من تحت كل أوزة, وجد بيضة من الذهب لدي إحداهن فاعتقد في البداية أنها مزحة من أحد أصدقائه ولم يصدق أنها من الذهب الخالص فعلا حتي قام ببيعها في سوق المدينة جانيا الكثير من المال الذي لم يكن ليحلم به يوماً من الأيام.

تكرر هذا المشهد مع الفلاح كل صباح فبدأت الأموال تنهال عليه وتزداد يوما بعد يوم وأصبحت الخطط والمشاريع والأحلام هاجسه الوحيد لدرجة أنه ينتظر بزوغ فجر كل يوم ليهرع الي أوزته المدللة فيأخذ بيضها الذهبية ويبيعها فيكمل مشاريعه وخططه.

وفي يوم من الأيام, أخذ الفلاح يفكر بطريقة عبقرية يجني بها أكبر كمية من المال بسرعة ودون عناء الإنتظار صباح كل يوم, فقرر أن يفتح بطن الأوزة ويخرج كل ما فيها من بيض ذهبي دفعة واحدة. ففعل ذلك فعلا, لكن فوجئ بأن لا يوجد بيض ذهبي داخل بطن الأوزة وأكتشف بعد ذلك أنه فقد البيض الذهبي الي الأبد بفعلته تلك.

هل تعتقد أن الفلاح لم يكن على صواب عندما فعل ذلك؟

بالتأكيد !!!!!

لقد قتل الأوزة التي كانت تبيض له الذهب ليحصل على الذهب!!!!

تصرف مجنون…..

لكن هل تعلم بأننا كل يوم نتصرف بنفس الطريقة التي تصرف بها ذلك الفلاح البسيط ونفقد من البيض الذهبي ما لا يعلم عدده الا الله.

فالفلاح إهتم بالبيض الذهبي لكنه نسي تماما الأوزة التي كانت تنتج له ذلك البيض, فذبحها من أجل البيض.

إهتم بالإنتاج وليس بمصدر الإنتاج.

تماما كما نهتم نحن بتحصيل أولادنا للعلم دون أن نهتم بأولادنا أنفسهم.

نهتم بالإنجاز الذي يقوم به موظفينا… دون أن نهتم بموظفينا أنفسهم.

نهتم بإنتاجية العمال……دون أن نهتم بالعمال أنفسهم.

نهتم بالعمل…. أكثر من إهتمامنا بفريق العمل.

نهتم بالخدمات التي تقدمها زوجاتنا لنا (أو أزواجنا لنا)……دون أن نهتم بزوجاتنا أو أزواجنا.

نهتم بالنجاح الذي نحققه في هذه الحياة……دون أن نهتم بأنفسنا نحن الذين نصنع ذلك النجاح.

نهتم بالمال وجمعه دون أن نتهتم بمصدر المال واستمراريته ونموه.

نعم نحن تماما كهذا الفلاح المسكين….نهتم بالبيض الذهبي دون أن نهتم بمن أنتج هذا البيض.

والعبرة هنا بالإهتمام بمصدر الإنتاج ذاته وليس الإهتمام من أجل الإنتاج , فالفلاح البسيط كان يعتني بأوزته وكان يعتبرها مدللته ليس  من أجل الأوزة (مصدر الإنتاج) بل حتي تنتج له ذلك البيض (الإنتاج). وفلسفة الفلاح تلك هي ما تعودنا عليه على مر العصور. فنحن نتظاهر بأننا نهتم بأولادنا لكننا في الحقيقة نهتم بما سيحصله أولادنا حتي يكونوا مفخرة لنا’ ونهتم بزوجاتنا ولكن حتي يبقين راضين عنا وتستمر خدماتهن لنا,,,,,, وهكذا.

ولعل ذلك نابع من موروث قديم توارثناه عبر العصور, ففي كتب الإدارة نظريات كثيرة تؤكد ذلك منها مثلاً تلك التجربة الشهيرة التي كررها خبراء الإدارة عشرات المرات على مدي قرون  حيث جاءوا الي مجموعة من العمال وقسمونهم الي جزئن أحدهما يبقي على حاله والأخر تم زيادة معدل الإضاءة في المكان الذي يعملون به  فلاحظوا أن الفئة الثانية قد زادت من إنتاجيتها عن الفئة الأولي فاستنتجوا أن الحوافز المادية هى السبب الأاساسي لزيادة الإنتاج. لاحظ….. أنهم يتحدثون عن الإنتاج وليس عن العمال وهم مصدر الإنتاج.

لكن في العقود الأخيرة بدأت هذه النظرية بالتغير عندما قام أحد علماء الإدارة بإجراء ذات التجرية مرة أخري,  لكنه بعد أن قام بزيادة معدل الإضاءة للفئة الثانية أعاده بعد ذلك الي ما كان عليه سابقا فخفض مستوى الاضاءة. ففوجيء بأن إنتاجية الفئة الثانية بقيت كما هي مرتفقعة عن الفئة الأولي ولم تنخفض رغم أنهم أصبحوا متساوون في الإضاءة الآن. وبعد الدراسة والتحري وجد الدارسون أن سبب زيادة إنتاجية العمال لم تكن مرتبطة بالأساس بزيادة معدل الإضاءة كما إعتقد علماء الإدارة على مر الزمان, بل كان بسبب شعور العمال أن إدارتهم مهتمة بهم…. لذلك إستمرت إنتاجيتهم مرتفعة رغم أن لإضاءة عادت كما كانت

تغيرت النظرية…لكن لم ينغير الناس. فما زلنا نهتم بالإنتاج ونهمل مصدر الإنتاج، وجميعنا نهتم بالمال بدلا من أن نهتم بمصدر المال

نعم إنه الإهتمام….وبمصدر الإنتاج.

لذلك حثنا الرسول الكريم على أن نهتم برعيتنا (كلكم راعِ زلكلم مسؤول عن رعيته).

أن علينا أن نحاول الإهتمام أكثر بمصادر الإنتاج لدينا (الموظفين، الأبناء، الزوجات، العمال، فرق العمل) ولا نضع جل إهتمامنا بالإنتاج فقط لأنه في النهاية تحصيل حاصل لإهتمامنا بمصدر الإنتاج.