تشير الإحصائيات الى أن أكثر من 80% من مشاريع تطبيق أنظمة وحلول إدارة المحتوى لا تكون نتائجها ضمن توقعات العملاء والمستفيدين وأن 45% من تكاليف تلك المشاريع تذهب لإعادة وتكرار العمل rework. فإذا كان حال تلك المشاريع في العالم فإن الحال في عالمنا العربي هو أكثر سوءا. فهل هذا لعيب ما في تلك التطبيقات أم أن العيب فيمن يستخدمها أم ماذا؟

لعل أكبر سبب لهذا التعثر هو عدم وجود فهم واضح ومشترك لأسس أنظمة إدارة المحتوى بين العملاء و الشركات التقنية الموردة للتطبيقات والخدمات خصوصا مع عدم توفر معايير واضحة متفق عليها عاليما لتنفيذ هذا النوع من المشاريع وقلة عدد من يعملون في هذا المجال. ولعلي ومن خلال خبرتي في هذا المجال أضع بين أيديكم ثلاثة أسباب اعتقد أنها أساسية لهذا التعثر وكيف يمكن تجاوزها:

أولا: تعتمد كثير من الشركات والمنشات الحكومية والخاصة الى شراء نظام متكامل لإدارة المحتوى دون أن تعرف احتياجاتها الحقيقية تماما وكيف يمكن لتلك الأنظمة أن تخدمها. فأغلب طلبات الشراء التي تعدها الشركات الراغبة خاوية تماما من أي احتياجات حقيقية يمكن البناء عليها بل هي مجرد مزايا عامة تتوفر في أغلب أنظمة إدارة المحتوى. هذا بالطبع يسبب الغموض وبالتالي لمشاكل كثيرة عند التنفيذ والتطبيق ويؤدى لإعادة العمل بشكل متكرر للوصول لأي نتيجة مقبولة من قبل المستخدمين تبرر ذلك الاستثمار الذي تم.

وللتغلب على ذلك فإن على الشركات الحكومية والخاصة التي تعتقد أنها بحاجة لنظام إدارة محتوى أن تعمد الى دراسة الوضع القائم وتحديد الوضع المستهدف الذي تسعى الوصول له لمحاولة تحديد الاحتياجات الحقيقية التي قد تدعو المنشأة لامتلاك نظام لإدارة المحتوى، وذلك قبل أن تقدم على شراء أي تطبيق حتى لا تتحمل تكاليفه قبل أن تعرف ما تريد منه بالضبط. خصوصا في ظل توافر عدد من التطبيقات والخدمات السحاية وأدوات الأرشفة التي قد تفي بالغرض المطلوب دون الاضطرار لامتلاك نظام متكامل لإدارة المحتوى وتحمل تكاليف عالية.

ويمكن هنا الاستعانة باستشاريين في هذا المجال للمساعدة وأخذ المشورة مع بقاء المسؤولية الأكبر على عاتق فريق العمل في المنشأة ذاتها لأنهم الأدرى بطبيعة العمل داخل المنشأة. على أن تتضمن فترة الاستشارة تلك بناء نموذج مصغر Prototype لما سيكون عليه الوضع بعد الانتهاء من تنفيذ نظام إدارة المحتوى فهذا سيوضح الاحتياجات الحقيقية بشكل جلي قبل الخوض بتكاليف شراء الأنظمة والمعدات.

ثانيا: هناك اعتقاد شائع بأن الشركات التقنية مقدمة الخدمة والتي تعمل في هذا المجال قادرة على فعل كل شيء وأن دور المنشأت التي تتطبق أنظمة إدارة المحتوى هو استلام تلك الأنظمة جاهزة للعمل بعد انتهاء المشروع. هذا الإعتقاد خاطىء تماما وهو أحد الأسباب الرئيسية لفشل تلك المشاريع. فلا تملك الشركات التقنية خصوصا في عالمنا العربي قدرة على تحمل مسؤولية مشروع كامل لإدارة المحتوى ليس فقط لقلة المتخصصين في هذا المجال بل لسبب أهم وهو أن تطبيق تلك الأنظمة يجب أن يتم على مراحل وضمن فترة زمنية طويلة نسبيا وبتعاون كبير من فريق العمل داخل المنشأة، لأن عملية تطبيق هذا النوع من الأنظمة يرتبط كثيرا بخصوصية أعمال المنشأة ولا يمكن للشركات التقنية فهم تلك الأعمال بسهولة وسرعة أكثر ممن يعملون فيها.

وحتى يحدث ذلك ينبغي أن تلجأ الشركات للتدريب فهو العنصر الأساسي لنجاح فريق العمل لديها في تنفيذ هذا النوع من المشاريع ويتضمن التدريب، التدريب على المفاهيم المتعلقة بإدارة المحتوى (وهذه نادرة لدينا في العالم العربي) والتدريب على التقنية التي ستستخدمها الشركة في إدارة المحتوى. هذا التدريب سيساعد فريق العمل في الشركة ذاتها من تحمل مسؤولية تنفيذ مشروع إدارة المحتوى بدءا من مرحلة الإستشارات الى مرحلة اختيار النظام والتنفيذ وبالتالي يتم الاستعانة بالشركات التقنية فقط لأداء مهام محددة وواضحة تتعلق بالجانب التقني فقط.

ثالثا: يعتقد الكثيرون بأن وجود ومشاركة الشركة العالمية المنتجة لتطبيق إدارة المحتوى الذي تم إختياره سيكون صمام أمان لنجاح المشروع. وهذا ايضا اعتقاد خاطيء لأن تلك الشركات هي بيوت لصنع التطبيقات ولا تملك الخبرة الكافية لتطبيقها. فقد تم بناء تلك التطبيقات وفق معايير السوق واعتمادا على ما يرد من العملاء المستخدمين له وهذا لا يضمن إطلاقا أن الشركة المنتجة قادرة على تطبيق نظام إدارة المحتوى الذي تنتجه بالشكل المطلوب. إضافة الى ذلك فإن أغلب الشركات العالمية العاملة في هذا المجال لا تهتم بالمنطقة العربية لأن الإيرادات القادمة منها لا تقارن مع ما يرد من الدول الغربية مما يضيف عبئا أخر على المنشأت العربية التي تشتري نظام إدارة محتوى عالمي نتيجة عدم اهتمام الشركة المنتجة بها.

وللتغلب على ذلك فلابد من الاهتمام باختيار المنتج الذي يناسب الاحتياجات المحددة والتي تتطلب اقل جهد في البرمجة أو التنفيذ وأن يكون التطبيق مؤهلا للنجاح في مجال العمل الذي تعمل به المنشأة. حيث أصبحت الشركات العالمية التي تعمل في هذا المجال تتوجه بمنتجها الى قطاعات محددة لديها فيها الخبرة والتجربة سواء التعليم أو الصحة أو البنوك أو التأمين أو الطاقة وغيرها ـ مما قد يساعد العميل على تحديد المنتج الذي يتناسب مع القطاع الذي يعمل فيه   كما يجب الاهتمام أكثر بالدعم الذي تقدمه تلك الشركات للتطبيقات التي تنتجها فهو الأهم فأنت عندما تشتري سيارة فأنت لا تنتظر أن تعلمك الشركة التي أنتجت تلك السيارة القيادة بل تنتظر منهم الدعم في حال تعطلت عن العمل.

ان الانتشار الكبير لأدوات إدارة المحتوى عبر السحابة الإلكترونية من قبل شركات كـ Box و DropBox وغيرها جعل من عملية اللجوء لمنتجات وأنظمة إدارة المحتوى لا يتم إلا عند وجود حاجة ماسة لها تفوق ما تقدمه تلك الخدمات السحابية. فتكلفة أنظمة إدارة المحتوى تكلفة عالية نسبيا في الوقت والمال لا تتحملها الا تلك الشركات التي ستحقق عائدا من استخدامها. لا تقف تلك التكلفة على تكاليف الترخيص والأجهزة انما تتعدى ذلك الى التكاليف الشهرية والسنوية لصيانة وادامة وتطوير عملية إدارة المحتوى داخل المنشأة. لذلك يجب التفكير مليا ودراسة البدائل المتاحة ووضع استراتيجية واضحة قبل الاقدام على شراء وتنفيذ تطبيقات وأنظمة إدارة المحتوى.

اشترك في نشرة تَعلُم الرقمية

العالم الرقمي يتغير باستمرار ونحن بحاجة لأن نكون على اطلاع دائم فاشترك معنا ليصلك كل ما يمكن أن يساعدك في رحلتك نحو التحول الرقمي سواء في العمل أو التعليم أو التواصل.


د/عماد سرحان

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.

0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *