قد لا يعلم الكثيرون بأن نظام التعليم الذي ساد في العصور الإسلامية سابقا قد بتفوق بمراحل على النظام التعليمي الذي بين أيدينا اليوم. فقد اعتمد ذلك النظام وقبل قرون على التعلم الذاتي والممارسة العملية وأهتم بالمتعلم وبما يمكن أن يحققه من العلم الذي حصل عليه، مستبقا بذلك النظريات التعليمية الحديثة كالنظرية البنائية أو الترابطية. لقد جعل نظام التعليم الإسلامي من العمل ضرورة لأي عملية تعليمية وأهتم بالتواصل الجيد الذي يعطي نتيجة للمتعلم.

إن أشهر من تحدث عن النظام التعليمي الإسلامي هو الدكتور محمد العطاس في كثير من كتاباته ومؤلفاته والذي ربط فيها بين ثلاثة عناصر أساسية ميزت عملية التعلم في العصور الإسلامية وهي العقل والعمل والايمان. فالمتعلم هنا يتعلم لتحقيق هدف عملي ما وهذا الهدف يرتبط بالله كون المتعلم خليفة الله في الأرض. أي أن المتعلم يتعلم بغرض أن يعمل لا بغرض الحصول على شهادة أو الجلوس في مكتب وأن هذا العمل ليس عملا شخصيا بل هو عمل عام لمنفعة الانسانية مرتبط برضى الله. هنا جمع المتعلم بين العقل (عبر التعليم) والعمل (عبر ذلك الهدف العملي الذي يسعى له) والايمان (عبر ربط ذلك العمل بالله) ضمن توليفة واحدة أدت الى تطور العلوم لدى المسلمين بشكل مذهل وخلال فترة قصيرة.

أتعلمون كيف وصل المتعلم في النظام التعليمي الإسلامي الى درجة كبيرة من الربط بين الايمان والعقل والعمل.

إنها الكتاتيب

فلم تكن الكتاتيب مجرد مكان لحفظ القران كما يتم تصويرها بل كانت المكان الذي يتم فيه غرس ذلك الايمان الدافع للحصول على المعرفة وربط ذلك بالعقل والعمل عبر آيات القران. فكان المتعلم يشب على تلك المبادئ الثلاثة فتكون جزءا من حياته بعد ذلك، مما يجعله يبذل جهدا ليتعلم ذاتيا بنفسه فيسعى للمعلمين ويجمع الكتب بل وينسخها ويعاشر حياة العلماء ليتعلم من سلوكهم وكان يمارس ما تعلمه بشكل حقيقي ويحاول ويخطئ ثم يحاول من جديد. لقد كانت لديه الدافعية ليتعلم حتى يصنع شيئا ما ذا قيمة للإنسانية لأن هذا ما يريده الله من البشر “إعمار الأرض”.

توليفة عجيبة تجمع القلب والعقل والممارسة لتصنع كيانا حقيقيا ذا قيمة.

Picture1

إن قمت بخوض تجربة العملية التعليمية سواء في مقرر دراسي أو دورة تدريبية دون أن يكون لك هدف عملي واضح مما ستتعلمه فإن ما ستتعلمه سيضيع هباءا منثورا بمجرد انتهائك من العملية التعليمية وهذا ما يحدث في أنظمتنا التعليمية الرسمية وغير الرسمية.

اعتمدت هذه التوليفة الثلاثية على مبدأ مهم وهو أن المعرفة غير متناهية لأنها من عند الله فالمتعلم يظل يبحث عن جوهر المعرفة بشكل مستمر وأن حصول المعرفة عند البشر لا يتم الا من خلال وصول “الروح” لمعاني الأشياء “فالعلم هو وصول المعنى الخاص بشيء ما إلى الروح أو وصول الروح للمعنى” كما قال الدكتور العطاس. هذا جعل من عملية التعلم لدى المتعلمين تخرج عن النطاق المجرد – الذي نحن عليه الأن-الى مجال أوسع يتضمن عناصر غير منظورة الأن لكن مع استمرار البحث عن المعرفة الحقيقية، فإنها تظهر بجلاء.

بل لقد وضع الفلاسفة المسلمون ثلاثة مراحل لعملية التعلم وذلك قبل ظهور النظريات التعليمية اليوم حيث تبدأ عملية التعلم بالاستدلال أي الحصول على العلم من الأخرين، ثم التعلم من خلال التصور (أو المراقبة)، وأخيرا التعلم من خلال التجربة الشخصية (الممارسة) أو الحدس (علم اليقين واليقين وحق اليقين) وهذا ما يدمج بين العقل المجرد والقلب والعمل في بوتقة واحدة.

لقد ركز النظام التعليمي الإسلامي على بناء الإنسان بشكل متكامل بالموازنة بين العقل والقلب بالأبعاد العقلانية والروحية والاجتماعية فالتعليم هنا هو عملية غرس شيء في الإنسان روحا وعقلا باعتبار أن تغذية القلب بالإيمان هي الدافع الأساسي لتغذية العقل بالمعرفة أيا كان نوع تلك المعرفة، شرعية أو دنيوية ولا فائدة من المعرفة في المفهوم الإسلامي بدون ربطها بالعمل. هذا أدى لأن تطور التعليم في العالم الإسلامي وأصبح العالم الاسلامي منبع العلوم لكل العالم.

وأخيرا أجمل صالح العمرو في كتابه المعرفة في الإسلام الصادر عام (2013) تسع خصائص ميزت النظام التعليمي الإسلامي وهي اليقينية واعتمادها على البرهان والدليل وشموليته للعلم المحسوس وغير المحسوس وموضوعيته وعدم اعتماده على الاهواء واستقلاليته دون تقليد للأخرين وربطه بين النظرية والتطبيق واعتماده على السنن والأسباب والمنطق وأنه يسعى لتحقيق فائدة وأخيرا سعيه لتحقيق غاية سامية مرتبطة بالخالق ترتقي عن الأهداف المادية المجردة فقط.

هذا هو النظام التعليمي الذي أخرج لنا ابن سينا وابن كثير والفارابي والخوارزمي وابن النفيس وابن الهيثم وغيرهم الكثير. هذا النظام الذي اهتم بالمتعلم وجعل منه انسانا ماهرا قادرا على خدمة الإنسانية كلها. ألا ليت هذا النظام التعليمي الاسلامي العظيم أن يعود لنا فقد نعود لنسود العالم.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.