تعليم

المدرسة الافتراضية كطريق نحو نظام تعليمي جديد

قد يكون التعلم الإلكتروني هو الأمل – وربما الوحيد- لتطوير وتنمية التعليم في المنطقة العربية والذي يعاني من ضعف شديد رغم الميزانيات الضخمة التي يتم صرفها عليه سنويا. سيوفر التعلم الإلكتروني فرصة لتقديم تعليم ذو جودة عالية لعدد كبير من المتعلمين فيما لو تم استخدام التقنيات الحديثة المتوفرة بالشكل السليم وبما يتلاءم مع تطلعات جيل اليوم. لكننا لا نتحدث عن تعليم إلكتروني تقليدي كما حدث مع أزمة كورونا بل عن تعليم يستغل أدوات التواصل الاجتماعي والتراسل المباشر والحوسبة السحابية والتقنيات الرقمية بشكل مثالي في تقديم تعلم يتوافق مع طبيعة جيل اليوم ومع الديناميكية التي يتسم بها عصرنا الحديث.

التعليم التقليدي والتعليم الإلكتروني

مازال التعلم الإلكتروني يعيش حالة جدل في منطقتنا العربية إن كان يرقى للتعليم الصفي التقليدي أم لا؟ جدل جعلنا نغفل عن تلك التقنيات التي تظهر من حولنا والتي يمكن أن تمثل فرصا عظيمة للمتعلمين لم تكن متوافرة قبل ذلك. جدل جعل أغلب برامج التعلم الإلكتروني لا تسعى إلا الى محاولة تقليد التعليم التقليدي (بتقنية أفضل) لتثبت أنها برامج مجدية تضاهيه في النتائج مما ضيع فرصا كبيرة لاستغلال ما يأتي من تقنيات لتقديم أسلوب أخر مختلف للتعليم

ويزداد الأمر جدلا عندما نتحدث عن التعلم الإلكتروني في المدارس حيث يظن البعض أن التعلم الإلكتروني هو لمن في التعليم الجامعي فقط وليس لمن ما زالوا في أعمار صغيرة تستوجب وجودهم في صف دراسي. هذا بالطبع بعض النظر عن طبيعة ذلك الصف الدراسي ومستوى المعلم الذي يعلم والبيئة التعليمية التي تحيط بالمتعلمين، المهم أن يتواجد الطالب في صف دراسي لخمسة أو ستة ساعات يوميا حتى نشعر أنه تعلم.

الأمر ازداد سوءا مع أزمة كورونا والتي تم فيها تطبيق التعليم الإلكتروني بشكل سيء ومتسرع ودون دراسة أو تخطيط

ولو تمعنا قليلا لوجدنا أن حاجة التعليم المدرسي للتعلم الإلكتروني أكثر بكثير من حاجة التعليم الجامعي له. فالملايين التي يتم إنفاقها سنويا على البنية التحتية من مدارس ونقل وكتب هي مبرر حقيقي للتفكير في نظام تعليمي جديد ناهيك عن ندرة المعلمين المتميزين والتزايد الكبير في عدد الطلبة والذي يفوق بكثير التزايد الحاصل في عدد المعلمين مما يفقد الكثير من الطلبة فرصة تعليم جيد وهذا ما دعي اليونسكو الى التحذير من أن أكثر من 40 بالمئة من الطلاب في العالم الثالث لا تحصل على تعليم أساسي جيد. هذا عدا عن تجاهل التعليم التقليدي للكثير من الأدوات الحديثة التي يمكن استغلالها في العملية التعلمية والتي تناسب جيل اليوم كأدوات التواصل الاجتماعي وأدوات التراسل المباشر وتقنيات البيانات الضخمة وغيرها.

المدرسة الافتراضية…لماذا؟

من هنا تأتي ضرورة التفكير بإنشاء مدرسة افتراضية عربية ليتم من خلالها بناء نظام تعليمي جديد تماما يخلط بين التعليم الإلكتروني والتعليم المدرسي وذلك دون المساس بالنظام التعليمي القائم بل يدعمه. مدرسة تكون مركزا لأفضل المقررات الدراسية يقودها أفضل المعلمون تستخدم أفضل الأساليب والأدوات التعليمية، فيتم توجيه الميزانيات لتعليم المستقبل بدلا من الاستمرار في التطوير في تعليم قد لا يكون له مستقبل. سيكون الخيار للمتعلم في أن ينتسب ليتعلم في هذه المدرسة ويترك المدارس التقليدية تماما أو أن يتكون مساندة له في التعليم التقليدي

سيكون لوجود هذه المدرسة الافتراضية تأثير كبير في تطوير التعليم في الاتجاه الصحيح. ستوفر هذه المدرسة بيئة تعليمية مفتوحة غير مقيدة بصف دراسي أو كتاب مدرسي أو حتى نظام تقني. سيكون المعلم فيها خبيرا يساعد المتعلمين على التعلم وليس مجرد مدرس يلقن الطلاب معلومات مكررة وقديمة هي بالأساس متوافرة بغزارة وبشكل أفضل على الإنترنت. ستوفر الفرصة للجميع أيا كانت مواقعهم الجغرافية أو مستوى مدارسهم أو معلميهم من الحصول على تعليم متميز من معلمين متميزين مما يحقق العدالة في التعليم للجميع.

قد يعتقد البعض استحالة تحقيق ذلك مع طلاب أصغر سنا لكن قد لا يعلم الكثيرون أن التعلم الإلكتروني الأن مطبق في كثير من المدارس حول العالم وهناك نماذج كثيرة لتطبيق هذا النوع من التعليم ولا يوجد ما يمنع أن تتواجد في منطقتنا العربية التي هي في حاجة أكبر لمثل هذا النوع من المدارس أكثر من العالم الغربي.

النموذج المقترح للمدرسة الافتراضية

ينبغي أن يكون نموذج المدرسة الافتراضية التي نسعى لها نموذجا مرنا يدمج بين التعليم الإلكتروني والتعليم التقليدي  بحيث يتم الاعتماد في العملية التعليمية على التعلم الذاتي للطلاب ولكن بتوجيه دائم ومباشر من المعلم في صف دراسي عبر الإنترنت بالاعتماد على البيئة السحابية المفتوحة في التواصل كما هو الحال في التعليم المفتوح مع ضرورة التقاء الطلاب والمعلمين بين الحين والآخر للقيام بالنشاطات التعليمية الجماعية .

المدرسة الافتراضية
المدرسة الافتراضية

يمكن أن يكون شكل المدرسة المفترضة مبنيا على العناصر الأساسية التالية:

  • البيئة السحابية: لن يكون للمدرسة الافتراضية مباني مدرسية إلا في حدها الأدنى بل ستعتمد على الحوسبة السحابية في عملها حيث ستقدم كافة خدماتها التعليمية عبر منصة إلكترونية قادرة على التعامل مع عدد كبير من المتعلمين عبر الويب و الأجهزة المتنقلة من خلال الكم الهائل من الأدوات المتوفرة لتحقيق ذلك كالفصول الافتراضية وأدوات التواصل الاجتماعي والتراسل المباشر وأدوات بناء المواقع والبرامج التعليمية وأدوات التقويم والامتحانات الإلكترونية والمختبرات الافتراضية والرحلات الإلكترونية، إضافة الى أدوات الواقع الافتراضي كتقنيات الخيال المعزز والرسوم الثلاثية والرباعية الأبعاد والتي يمكن أن تساعد حتى في النشاطات التعليمية التي تتطلب ممارسة عملية كالعلوم الطبية والهندسية.
  • النشاطات التعليمية الفعالة: ستعتمد المدرسة الافتراضية على النشاطات التعليمية المتزامنة وغير المتزامنة على حد سواء. فهي لا تقف عند النشاطات المتزامنة فقط كما في الصف الدراسي أو النشاطات الغير متزامنة كما في المنتديات والمحاضرات المسجلة، بل تتضمن:
    • النشاطات غير المتزامنة والتي ستكون حول تلك المهام التي يمكن أن يقوم بها المتعلم بنفسه كقراءة مادة علمية أو مشاهدة محاضرة مسجلة أو إجراء بحث ما أو النقاش مع الآخرين عبر أدوات التواصل الاجتماعي أو التراسل المباشر أو الكتابة عبر المدونات أو الويكي أو القيام بالامتحانات أو الواجبات المدرسية الفردية. يجب أن يتم تقديم الدعم المباشر للطالب أثناء قيامه بتلك النشاطات بالمتابعة والمراقبة والإجابة عن الأسئلة.
    • النشاطات المتزامنة والتي ستكون مركزة حول النشاطات التعليمية التي تتطلب ممارسة وعمل مرتبط بالمواد الدراسية التي يتعلمها الطالب كالتجارب العلمية أو المشاريع المشتركة أو المهام التعليمية الجماعية أو ليعرض الطلاب إنتاجهم وخبرتهم. يمكن أن تتم تلك النشاطات عبر الفصول أو المختبرات الافتراضية أو الواقع الافتراضي.
    • النشاطات الداعمة للبيئة التعليمية والتي ستهدف فقط لتعزيز انتماء المتعلم لصفه الدراسي وتقوية علاقته بزملائه. يمكن أن تتم هذه النشاطات عبر لقاءات الترحيب التي يمكن أن تتم صباح كل يوم على غرار الطابور الصباحي، أو عبر الألعاب الإلكترونية الجماعية أو حتى عبر اللقاء الحقيقي الذي يمكن أن يتم أسبوعيا أو شهريا بين المتعلمين.
  • المعلم الخبير: لن يكون دور المعلم هنا كمصدر وحيد للمعلومة كما هو الحال في التعليم التقليدي. بل سيكون ذلك الخبير الذي يساعد المتعلمين أن يتعلموا بالشكل الذي يؤدي بهم لإتقان ما يتعلمونه فعلا. سيتم توفير أفضل المعلمين كل في مجال تخصصه ليعمل على :
    • بناء الوحدات التعليمية المناسبة للمقرر الدراسي بحيث تصل الى أكبر عدد ممكن من المتعلمين. يمكن أن يتم ذلك باستخدام أدوت بناء المقررات والمواقع التعليمية دون خبرة تقنية سابقة كما يمكن استخدام المصادر التعليمية المتوفرة على شبكة الإنترنت والبناء عليها فلا داعي لاختراع العجلة من جديد.
    • متابعة المتعلمين بشكل يومي تماما كما هو الحال في التعليم التقليدي ولكن عبر وسائل التواصل المباشر أو غير المباشر لكن ليس لإعطاء المحاضرات (والتي يمكن تسجيلها ووضعها على الإنترنت) بل للمشاركة والتفاعل وتقديم الخبرة وإدارة النقاشات ودعم المتعلمين اجتماعيا وتعليميا وأخلاقيا. سيتمكن المتعلم الإشراف وبسهولة على عدد أكبر من المتعلمين خصوصا لو توافر له مساعدون للقيام بهذه المهمة.
    • تقييم المتعلمين ولكن ليس فقط عبر الامتحانات الإلكترونية بل عبر تقييم مشاركة المتعلم في النشاطات المتزامنة أو غير المتزامنة. ستخرج المدرسة الافتراضية من حدود الاعتماد فقط على الامتحانات في تقييم المتعلمين الى رحاب أوسع لتشمل تحليل المنتديات والمدونات وأدوات التواصل المباشر وغير المباشر التي سيستخدمها المتعلمون. كما ستعتمد أيضا على المحصلة النهائية التي حصل عليها المتعلم في نهاية العملية التعليمية.
  • الجدول الدراسي الشخصي: سيكون الجدول الدراسي في المدرسة الافتراضية أكثر مرونة من ذلك المتعارف عليه في التعليم التقليدي. حيث ستعطى حرية أكبر للمتعلم والمعلم في تحديد أوقات النشاطات التعليمية الذاتية أو الجماعية المطلوبة في كل أسبوع دراسي طوال العام الدراسي.
    • سيعتمد الجدول الدراسي على الأسبوع الدراسي تماما كما هو الحال في المدارس العادية لكن سيتم بناء الجدول الدراسي لكل طالب مع بداية كل سنة دراسية وفقا لحاجته وأيضا اعتمادا على المستوى الدراسي ولما يراه المعلم المسؤول عن الطالب.
    • سيبدأ كل يوم دراسي بجلسة مباشرة صباحية تضم المتعلمين في كل مستوى دراسي وذلك لتعزيز الانتماء للبيئة التعليمية.
    • سيترك للمتعلم القيام بالمهام التعليمية الذاتية في الوقت الذي يشاء خلال الأسبوع وفقا لقدرته ورغبته على أن ينهي قائمة النشاطات المطلوبة منه خلال الأسبوع. سيتضمن ذلك قدرة الطالب على التواصل مع معلميه وزملائه عبر وسائل التواصل المباشر أو غير المباشر أثناء قيامه بتلك النشاطات.
    • سيتم تحديد أوقات محددة للنشاطات التعليمية الجماعية المتزامنة بحيث يلتزم المتعلم بها على أن يتم تقديم أكثر من خيار لكل نشاط ليقوم المتعلم باختيار الوقت الذي يناسبه.
    • سيكون المعلم المسؤول عن كل مجموعة متصلا بشكل مباشر بالأنترنت عبر الفصل الافتراضي بحيث يكون متواجدا دائما لمساعدة المتعلمين على القيام بالنشاطات التعلمية المختلفة. قد يعمد المعلم للتواصل مع الطالب اذ شعر بانه بحاجة لمساعدة سواء أكاديمية أو اجتماعية.
  • المناهج الدراسية المرنة: حتى تنجح هذه المدرسة فلابد أن تتميز مقرراتها الدراسية بالمرونة والديناميكية لتواكب التغيير الذي يحدث في المعرفة أو أساليب التعلم الإلكتروني. فلا مكان هنا للمناهج الحكومية الساكنة وأساليب التدريس القديمة والبيروقراطية في التخطيط والتنفيذ.
    • يجب التعديل والتطوير في المناهج الدراسية عاما بعد عام اعتمادا على التغذية الراجعة التي ترد من الطلاب أو المعلمين أو نتيجة التغيرات التي يمكن أن تحدث في العالم.
    • يجب منح الطالب حرية أكبر في تحصيله للمعرفة من مصادر متنوعة دون إجباره على كتاب محدد. يجب استغلال شبكة الإنترنت وأدوات التواصل الاجتماعي وما توفره من معرفة كجزء من الأدوات التي يستخدمها الطالب في تحصيله للمعرفة ليكون أكثر إبداعا وليس مجرد متلقنا ومكررا.
    • توفير كافة المقررات الدراسية وكافة المصادر التعليمية التي يتعامل معها الطلاب على قاعدة البيانات التابعة للمدرسة بحيث يمكن الوصول لها من الطلاب وغير الطلاب في أي وقت. يتضمن ذلك مقاطع الفيديو والكتب الالكترونية وحتى منتديات النقاش والمدونات والجلسات التعليمية المباشرة. سيساهم ذلك في تقديم خدمة للمجتمع ويدعم المدارس التقليدية أو من لا يستطيع التعلم بشكل ممنهج لأي سبب ويثرى المحتوى العربي على الإنترنت.

يمكن هنا الاعتماد على التطوير على المناهج العالمية كنقطة بداية لمناهج المدرسة الافتراضية حتى لا يضيع والوقت والمال في تطوير مناهج من الصفر فلا حاجة لاختراع العجلة من جديد.

عرض تقديمي لمقترح إنشاء المدرسة الافتراضية من المؤتمر الرابع للتعلم الإلكتروني بالرياض

فيديو توضيحي للمدرسة الافتراضية (محاضرة)

وأخيرا….من سيكون لها ويؤسس لأول مدرسة افتراضية عربية؟

سيكون تأسيس مدرسة افتراضية عربية أفضل طريقة للاستفادة من التعلم الإلكتروني في اقصى حدوده وضمن منظومة مركزية ممنهجة. مدرسة تمثل مركزا تعليميا الأكثر تميزا وتطورا  سواء في المقررات الدراسية التي يتم تحديثها كل عام أو في المعلمين الذي يتم استقطابهم لقيادة العملية التعليمية فيها أو في خدمتها لعدد أكبر من المتعلمين بأساليب تعليمية مناسبة لجيلهم وبغض النظر عن أماكن تواجدهم.  هنا سيتم الاستفادة من المعلمين المتميزين لتعليم عدد أكبر من المتعلمين بحيث يتم توفير التعليم ذو الجودة العالية للجميع وبعدالة وبما يناسب جيل اليوم. اذا كان لديك تجربة في التعليم الإلكتروني فلا تتردد بمشاركتها معنا عبر التعليقات، كما يمكنك التواصل في أي وقت لطرح أي سؤال أو استفسار.

اشترك في نشرة تَعلُم الرقمية

العالم الرقمي يتغير باستمرار ونحن بحاجة لأن نكون على اطلاع دائم فاشترك معنا ليصلك كل ما يمكن أن يساعدك في رحلتك نحو التحول الرقمي سواء في العمل أو التعليم أو التواصل.

د/عماد سرحان

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.

‫6 تعليقات

  1. افكر في الاستزادة من موضوع التعلم الرقمي واريد ان اعرف كثيرا عن لغة البرمجة …,و marge cube والواقع المعزز

  2. مقترح متكامل رائع .. تحياتي لحضرتك دكتور عماد.. مازلنا في 2020 ننتظر تطبيق آراء الخبراء في مجال التعليم الحديث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *