ما زال الكثير من الباحثين والدارسين يعملون على الوصول الى أفضل الأساليب التي يمكن من خلالها تفعيل الصف الدراسي التقليدي في المدارس عبر كثير من الأدوات التي يمكن أن تجعل منه أداة محببة للطلاب. لكن الحقيقية التي يجب أن نقف أمامها وأن نواجهها هي أن الصف الدراسي بشكله الحالي سينتهي لا محالة وأن علينا أن نفكر بطريقة أكثر فعالية في تعليم طلابنا بشكل أفضل عبر الممارسة العملية الحقيقية كبديل عن التدريس والتلقين.

وأكثر من دعوا الى الغاء الصف الدراسي تماما هو الدكتور Roger Schank الذي اهتم بشكل كبير بعنصر الممارسة بل وجعله العنصر الأوحد للعملية التعليمية. لقد إعتمد Schank  على الـ “القصة” كأساس للمنهج الدراسي وليس الموضوع كما هو الحال عليه اليوم في الجامعات والمدارس. فمن السهل نسيان المواضيع الدراسية التي درسها الطالب بعد أسبوع أو اسبوعين فقط من انتهاء المقرر الدراسي، لكن من الصعب نسيان قصة سمعها الطالب وشارك فيها ولها علاقة بحياته اليومية.

وإعتبر Schank -اعتمادا على خبرته في مجال أبحاث الذكاء الاصطناعي-بأن القصص هي الطريقة التي يستخدمها العقل البشري في طريقة تعلمه للأشياء من حوله وأن على المناهج الدراسية أن تحاكي تلك الطريقة بأن تضع الطالب في حالة عملية حقيقية لها هدف واضح فيتعلم من خلال نجاحه أو اخفاقه في القيام بالمهام التي تؤدي لتحقيق ذلك الهدف.

ويستند نجاح هذه المنهجية على الممارسات العميقة الحقيقية. فهي تتمحور على ممارسة مجموعة متسلسلة من النشاطات تحمل في طياتها هدفا بعيدا المدى مرتبط بالأعمال التي سيقوم بها المتعلم بعد إنهائه المقرر الدراسي. ولا يتم اختيار تلك القصص أو المشاريع المكونة لها عشوائيا بل يتم اختيار كل مشروع ضمن سياق وتسلسل معين بحيث يبني كل مشروع على الأخر فيضيف الطالب لمعرفته ومهاراته مشروعا بعد الأخر بشكل مدروس.

وتعتمد القصة في المنهج الدراسي هنا على الهدف الذي تم وضعه للمقرر والذي يجب أن يكون مرتبطا بما سيقوم به المتعلم بعد انهائه المقرر وأيضا على النشاطات التي سيقوم بها الطالب بعد تحقيقه لذلك الهدف والأحداث التي يمر بها عادة في الحياة العملية الحقيقية الدراسي. فكل تلك العناصر ستساعد على بناء قصة حقيقية لها تأثير كبير على مهارات الطالب عندما ينهي المقرر الدراسي.

ولقد اعتمد الدكتور Schank في منهجيته تلك على المبادئ التالية):

  • أن الإنسان يتعلم بنفسه من خلال التجارب التي يخوضها والممارسة المستمرة والمتكررة وارتكابه للأخطاء تماما كما يتعلم الطفل المشي والأكل والتي يتعلمها وحده بإرشاد من الأبوين.
  • ينبغي أن يرتبط التعليم بواقع الحياة التي يعيشها أو سيعيشها الطالب فالجامعات تعلم مواضيع subject لا ترتبط بواقع الحياة ولا يوجد لها أهداف واضحة سوى النجاح في الامتحانات ثم ينساها الطالب بعد انتهائه من تلك الامتحانات لأنها لا تشكل أهمية بالنسبة له..
  • التعليم الفعال والمؤثر هو التعليم الذي يعتمد على التساؤل الدائم والبحث عن الاجابات واستخدام القصص والقدوة وقيام الطالب بالعمل تحت اشراف المدرس والثقة والاهداف الواضحة والممارسة العملية مع توافر المراقبة والاستماع والتغذية الراجعة وتوفير الوقت المناسب للممارسة.
  • هناك اختلاف بين المتعلمين وانهم ليس متساويين في المهارات والقدرات والامكانيات والميول فكل متعلم له قدراته وأهدافه وصفاته واعتقاداته ويجب ان يراعي التعليم ذلك.
  • جميع برامج التعليم الالكتروني الحالية تهتم بالعميل وليس بما يمكن او لا يمكن تعليمه. فهناك الكثير من المهارات التي لا يمكن للأسئلة متعددة الخيارات مثلا ان تنجح معها.
  • ينبغي أن يعمل التعليم على تغيير سلوك الافراد وتصرفاتهم ولا يمكن للمتعلم ان يحصل على هذا السلوك بالمحاضرات او بالشرح، بل لابد من وجود الخبرة والممارسة والتي يمكن للقصة أن تساعد في تخفيق ذلك مع وجود الرغبة وقابلية النقاش.
  • يركز التعليم التقليدي على الحقائقFacts ونقلها للطلاب دون الاهتمام بالتفكير النقدي ولا يمكن ان يكون ذلك اكتسابا حقيقيا للمعرفة. المعرفة يتم اكتسابها عبر الانخراط في عمليات ادراكية يتم توظيفها تجاه هدف حقيقي عبر الممارسة.
  • الامتحانات التقليدية تعتمد دائما على أن هناك جواب صحيح واحد دائما وتفرق بين المواضيع المختلفة فبعضها أهم من بعض وتعود الطلاب على فكرة الانتصار عند تحقيق النجاح فيصبح هو الهدف وليس التعلم ولا تفرق بين الطلاب فتعاملهم جميعا سواء.
  • المناهج التي تعتمد على قصة حقيقية يكون لكل طالب فيها دور مختلف هي المناهج التي يجب الاهتمام بها فهي لا تعتمد على المواضيع بل على النشاطات والمهام الحقيقية القريبة من الواقع العملي فيتم ممارستها من قبل الطلاب.
  • يجب أن يعتمد التعليم على محاكاة حالات وخبرات سابقة وعلى التحليل لتلك الحالات من خلال النقاش والمقارنة لأن المعرفة الحقيقية هي الخبرة التي تم تحليلها والتي يمكن استرجاعها عند الحاجة. (تكوين هذه الخبرة يتم عبر محاكاة لحالات حقيقية) وتكون وظيفة المدرس تقديم الخبرة ومساعدة الطلاب لاكتسابها.
  • إن المفهوم الحقيقي للذكاء هو القدرة على التشخيص والتخطيط بشكل جيد والقدرة على فهم مسببات الأمور والقدرة على اعادة تقييم المعتقدات المكتسبة مسبقا وفق أدلة جديدة والقدرة على الشرح المنطقي للأخرين عند الحاجة والاستنتاج مما يملك من معرفة وليس اكتسابها فقط.

وقد بدأ الدكتور Schank تطبيق منهجيته تلك عام 2002 في جامعة Carnegie Mellon لبناء وتدريس مقرر هندسة البرمجيات على مستوى الماجستير حيث استخدمت غرف الاجتماعات كبديل عن الصفوف الدراسية وشارك الطلاب في مشاريع حقيقية لبناء برمجيات حاسوبية وكان لكل طالب دور محدد وفقا لحاجته واهتماماته دون أن يكون هناك مدرس حقيقي بل مرشد يساعد المتعلمين ويقيم المنتجات التي يخرجون بها.

ويري  Schank (2011) في كتابه “تعليم العقولTeaching minds” أنه لابد للمتعلمين في أي مقرر دراسي من الانخراط في مجموعة من العمليات الإدراكية والمعرفية لكي يتمكنوا أن يكتسبوا الخبرة للازمة لهم بعد انتهائهم من المقرر الدراسي. هذه العمليات هي ما ينبغي أن يتعلمه الطالب لأنها هي ما سيحتاجه في حياته العملية. ولا يمكن تعلم هذه العمليات في صف دراسي تقليدي بل هي بحاجة لبيئة تعلمية مختلفة.  وهذه العمليات تتمثل في :

  • العمليات المفاهيمية Conceptual Processes:
    • التبوء Prediction: وتتمثل بتعلم “توقع” المخرجات التي ستنتج عن نشاطات معينة, ويتم ذلك عبر التجربة العملية وارتكاب الصواب والخطأ حيث يتم التعلم الحقيقي عندما يكون التبوء خاطئا فعند ذلك يكون ذلك الخطاء طريقنا للتنبؤ والتخمين بشكل أفضل في مرات قادمة.

ويتم التبوء من خلال وعينا للعوالم الثلاثة المحيطة بنا العالم المادي والاجتماعي والذهني. فكلما اختزن المتعلم خبرات مختلفة وبالتالي سيناريوهات مختلفة لحالات معينة، كلما تمكن من التبوء بنتيجة حدث معين. حيث يقوم بمقارنة الحدث أو الموقف الذي هو فيه مع ما هو مخزن لديه من سيناريوهات سابقة فيعمد الى مطابقتها كليا أو جزئيا مع الوضع أو الحالة التي يقوم بالتنبؤ بها فيتعرف على ما سيأتي بعد من خطوات قد تنجح جميعا أو تفشل.

  • النمذجة Modeling: وهنا يتعلم الطالب كيف تتم الأمور من خلال بناء نموذج يحاكي ما يريد أن يتعلمه. فلا تكفي المحاضرات لتعلم مفهوم ما كما لا يمكن دائما تجربة كل شيء وبالتالي يمكن الاعتماد على النموذج لفهم الأمور وتصورها.
  • التجريب Experimentation :يجب أن يتعلم الطلاب من تجارب الحياة فلابد للتجارب أن تكون جزءا من العلمية التعليمية لأننا عندما نتخذ قراراتنا فنحن نعتمد على تجاربنا وتجارب الأخرين سواء الناجحة أو الفاشلة. ويتعلم الطلاب تجارب الأخرين عبر الإخبار المباشر أو حتى عبر القراءة أو مشاهدة الافلام، فالقصة هنا هي جوهر أي تجربة سيختزنها المتعلم لتساعده في اتخاذ القرارات المناسبة في المواقف المناسبة.
  • التقييم Evaluation: حيث يتعلم الطالب هنا كيفية الحكم على الأمور والقدرة على تحديد قيمة أي شيء من ابعاد مختلفة عبر الملاحظة والوصف والتقدير لقيمة الأشياء. ويتم تعلم ذلك من خلال التجربة تلو التجربة فيصل المتعلم لقدرة أفضل على تقييم الأمور.
  • العمليات التحليلية Analytic Processes:
    • التشخيص Diagnosis : وتتمثل بتعلم القدرة على تشخيص موقف كامل من خلال تحديد العوامل ذات العلاقة بذلك الموقف والبحث عن تفسيرات سببية Causal Explanations له. ويتضمن ذلك تعلم وضع الفرضيات واختبارها وجمع الأدلة وتحليلها للاستنباط. إن معرفة مسببات الأمور هو جوهر عملية التشخيص ولا يتم الا من خلال الخبرة المستمرة في التعامل مع حالات ومواقف معقدة. ولتعلم ذلك يحتاج المتعلمون لوجود حالات دراسية معقدة متضمنة معلومات محددة الهدف وخبراء للمساعدة. يمكن البدء بمعالجة مشكلة بسيطة في البداية ثم تعقيدها شيئا فشيئا.
    • التخطيط Planning: وتتمحور العملية هنا حول تعلم وضع الخطط المناسبة لتحقيق أهداف معينة ضمن حالات يمكن ادراكها ويشمل ذلك تعلم بناء خطط جديدة أو التعديل على خطط قديمة حيث يجب تعليم الطلاب وضع أهداف ووضع طريقة تحقيق تلك الاهداف من خلال استخدام خطط متوفرة والتعديل عليها لتلائم الحالة التي يتم دراستها أو من خلال بناء خطط جديدة كليا.
    • التسبيب causation: وتعنى بتعلم الكشف عن المسببات الحقيقية للأحداث وهذا مرتبط بكل مجالات العلوم المختلفة فنحن في النهاية نتعلم أحداث ومسببات تلك الأحداث (ما الذي سبب ماذا؟). فتعرض الطالب لمجموعة من الأحداث وتعرفه بشكل عملي على مسبباتها أحد أهم العمليات التعليمية لأي مجال علمي فهي عنصر اساسي في التفكير والعامل الاساسي لتحديد ذكاء الافراد.
    • الحكمJudgment :وتعنى بتعلم القدرة على الحكم الموضوعي على المواقف المختلفة وذلك بالاعتماد على بيانات أو أدلة واضحة ومن ثم اتخاذ القرار السليم او الاختيار بين امرين. ويحتاج الطالب لتحقيق ذلك تغذية راجعة من المدرس ليعرف ان كان يحكم على الأمور بشكل صحيح أم لا وايضا يحتاج لمراقبة الأخرين ويعتمد على القيم والخبرات التي يملكها الطالب والتي لها تأثير كبير على القرار الذي يتخذه في مواقف مختلفة.
  • العمليات الاجتماعية Social processes:

    • التأثير والنفوذInfluence : وتتمثل بقدرة المتعلم على فهم ردود فعل الأخرين لتساؤلاته وقدرته الواعية وغير الواعية على التطوير على هذا الفهم. ويتطلب ذلك توفر اليقظة الذاتية للمتعلم للأخطاء التي من حوله سواء بمراقبته للأخرين أو مراقبته لذاته فيعمد للتطوير المستمر لامتلاك سلوك أخر جديد. فالتغيير في السلوك ليس امرا سهلا ويحتاج للمحاولة والممارسة ويتطور من خلال المراقبة من المدرس والنقاش معه.
    • عمل الفريق Teamwork: هنا يتم تعلم كيف يمكن الوصول للأهداف من خلال فريق عمل ويشمل ذلك تعلم توزيع الأدوار بين أعضاء الفريق واستلام مدخلات منهم للقيام بمهمة معينة معتمدة عليهم والتنسيق مع الأخرين وحل أي خلاف ينشأ بينهم.
    • التفاوضNegotiation : هنا يتعلم الطالب كيف يفاوض بشكل رسمي أو غير رسمي ليعقد صفقة معينة من خلال النقاش مع الطرف الأخر ومن ثم الاتفاق على امر محدد يرضي الطرفين. ويمكن تعلم التفاوض من خلال المحاولة والفشل والممارسة تحت الاشراف والمراقبة.
    • التوصيف describing: تعلم كيفية خلق واستخدام وصف واعي لوضع معين فيمكن من خلال ذلك الوصف تحديد المشاكل والعيوب التي يتوجب اصلاحها. يتضمن ذلك القدرة على شرح المشكلة للحصول على مساعدة الاخرين والتركيز على الامور الهامة ولا يتم التوصيف الا عبر الكلام والكتابة والكلام هو أهم.

وقد أسس Schank مناهج إلكترونية عبر الإنترنت تتمحور حول تلك العمليات الإدراكية بعيدا عن الصف الدراسي التقليدي أو حتى عن اساليب التعليم الإلكتروني التقليدية حيث تعتمد على الممارسة من خلال التجربة العملية عبر قصة حقيقية مرتبطة بالمقرر الدراسي يعيشها الطلاب، بحيث يلعب كل طالب في هذه القصة دورا مختلفا ويقومون بتسليم مخرجات حقيقية مرتبطة بمشروع أو حالة معينة. وتتميز هذه المناهج الدراسية بالآتي:

  • لا يعتمد التعليم هنا على المحاضرات التقليدية لأنها اسلوب لا يناسب المتعلمون اليوم بل يتم الاعتماد على قصص وسيناريوهات ومشاريع حقيقية تحاكي الواقع والتي يمكن عرضها بأسلوب قصصي.
  • يجب توفير تلك المناهج عبر الويب باعتباره الوسيلة الأفضل للتعلم اليوم ويمكن استخدام الوسائط المتعددة ومقاطع الفيديو لعرض تلك القصص والسيناريوهات.
  • المراقبة والاشراف وتقديم الخبرة وليس التدريس مهمة المعلم الرئيسية.
  • يجب ان يقوم الطلاب دوريا بأرسال اعمالهم للتقييم وهي مخرجات حقيقية للمشاريع التي يقومون بها للحصول على تغذية راجعة من المشرفين عليهم.
  • يجب تصميم المنهج من قبل خبراء في المجال وليس من قبل اكاديميين فقط وذلك بالاعتماد على محاكاة عمل حقيقي.
  • يجب دفع الطلاب للعمل ضمن فريق عمل افتراضي.
  • الاختيار عنصر اساسي فالطالب يختار المنهج والدور الذي سيلعبه.
  • يجب أن تدور المناهج حول مشاريع لها أهداف واضحة وتصمم بعناية لتشمل جميع المهارات كالقراءة والكتابة والاستنتاج والبحث والحساب.

سينتهي دور الصف الدراسي في التعليم التقليدي قريبا وعلينا أن نفكر بالبديل عبر توفير جو ملائم للمارسة الحقيقية التي تعتمد على  التفكيرالنقدي  والإدارة والابتكار وخل المشكلات فهي الطريق الوحيد لبناء المهارات الحقيقية للمتعلمين. نحن بحاجة الى ثورة في العملية التعليمية التقليدية نتخلى فيها عن الاساليب التقليدية التي لم تعد مناسبة لجيل اليوم من الطلاب الى أساليب أكثر ابتكارا وتطورا. علينا أن نفكر بطريقة مختلفة وأن نفتح عقولنا وأن نقبل التغير ونعمل على إدارته قبل أن نجبر على ذلك.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.

إعلان Web Hosting