يعتقد الكثيرون أن الصحة الإلكترونية تقف عند حد التعامل مع البرامج التقنية المختلفة والمتطورة في إدارة شؤون المستشفيات والمنشأت الطبية وأن مجرد حجز موعد مع الطبيب إلكترونيا  أو الإطلاع على بعض المعلومات الخاصة بالمستشفى عبر الإنترنت أو إمتلاك المستشفى لأنظمة متكاملة لإدارة المعلومات هو ما ينبغي فعله لحدو تحول رقمي حقيقي في المنشآت الطبية.

المريض أولا

هذا الاعتقاد بالطبع إعتقاد يشوبه النقص لأن الصحة الإلكترونية ينبغي أن تعود بالنفع في المقام الأول على المريض بإعتباره محور العملية الطبية فحصول المريض على الخدمات الطبية بسرعة وكفاءة بدلا من ذلك الشكل التقليدي الذي يتطلب منه الإنتظار لكثير من الوقت والتعامل مع الكثير من الورق هو جوهر الصحة الإلكتروينة وأساس أي تحول رقمي حقيقي لأي منشأة طبية وليس مجرد تطبيق لأنظمة تقنية متطورة, وحتي يتم تحقيق تلك السرعة والكفاءة لابد من بنية تحتية قوية تساعد على ذلك وبدونها فإن ما يستثمر في التقنية مهما بلغ لن يؤدي الي صحة إلكترونية سليمة ما دام المريض يعاني في الحصول على الخدمة.

وجوهر تلك البينة الاساسية التي تحتاجها أي منشأة صحية هو تواجد نظم إدارة المحتوى Enterprise Content Management ECM كعنصر  أساسي. نظم إدارة المحتوى هي تلك النظم المتخصصة بإدارة البيانات والمعلومات والعمليات غير المنظمة والتي لا تدخل ضمن نطاق النظم المعلوماتية التقليدية كالمستندات الورقية والإلكترونية والصور والرسوم,وما يرتبط بها من عمليات وهي المسؤولة عن بناء ملف المريض الافتراضي كبديل عن المف الورقي. فلا يمكن لأي خدمة صحية إلكترونية في أي منشأة تقدم خدمات طبية أو تأمينية أن تنجح في تقديم خدمة صحيحة ومتكالمة دون تواجد ملف إلكتروني شامل للمريض يتضمن تاريخه الطبي والمعلومات التفصيلية عنه والصور والفحوصات التي تعامل معها في حياته والعلاجات التي حصل عليها.

ما هي العلاقة التي تربط بين نظم إدارة المحتوى والصحة الإلكترونية؟

إن الهدف الذي تسعي له نظم إدارة المحتوى في المنشأت الطبية هو المريض, فعندما يأتي المريض الي أي منشأة طبية يتوجب على العاملين في تلك المنشأة الحصول على سجله الطبي فورا لأنه الأساس الذي سيعتمد عليه الطبيب والممرض وفني المختبر والأشعة والطوارئ في تقديم خدمتهم لهذا المريض فيلزمهم الإطلاع على تاريخ المريض الطبي من خلاله وإضافة ما يلزم من معلومات ومستندات أثناء تقديم الخدمة له, وحتي يحدث ذلك اليوم فلابد للسجل الطبي أن يكون إلكترونيا بشكل كامل قابلا للوصول من أي مكان وبسرعة عالية.

ولعل التكنلوجيا الحديثة قد وفرت الكثير من الوقت والمجهود نحو تحيقيق ذلك السجل الإلكتروني فلم يعد كل شئ ورقيا كما كان الحال سابقا حيث أصبحت الكثير من المعلومات الخاصة بالمريض متوافرة على الأنظمة التقنية المنشأة الطبية فمعلوماته الأساسية مثلا يمكن أن نحصل عليها من  نظام المعلومات الطبية HIS وتاريخه الطبي يمكن أن يحصل عليها من السجلات الطبيةالألكترونية EMR وصور الأشعة يمكن أن يحصل عليها من أنظمة الهندسة الطبية الرقمية FACS والمعلومات المالية يمكن أن تحصل عليها من الأنظمة المحاسبية ونحو ذلك.

إلا أن هذه الأنظمة أضافت عبئا على العاملين في المنشأت الطبية فحصولهم على السجل الصحي الكامل للمريض أصبح أكثر تعقيدا لأن المعلومات لم تعد موجودة في مكان واحد كما كان الحال سابقا  مع الملف الورقي بل هي متناثرة في أنظمة أكثيرة يتوجب الدخول اليها والتنقل فيما بينها  جميعا للحصول على المعلومات كاملة  كما أن تلك الأنظمة في الغالب  لا تستطيع التعامل مع المستندات الورقية التي لابد وأن تتواجد في ملف المريض كصورة هويته الشخصية مثلا وروشتات الأطباء المكتوة بخط اليد ونحو ذلك.

هذا الوضع إضطر العاملين في السجلات الطبية الي العودة الي السجل الورقي للمريض لأن جميع المعلومات الخاصة بالمريض ستكون في مكان واحد  ضمن هذا السجل يسهل الوصول لها  فيقومون بإعادة طباعة المعلومات التي تنتجها تلك الأنظمة الطبية التقنية  لوضعها في السجل الورقي جنبا الي جنب مع المستندات الورقية الأخري الخاصة بالمريض فيكون هذا السجل الطبي الورقي هو المرجع الأساسي للمريض  كما كان الحال سابقا رغم ما ينطوي عليه من تكلفة أعلى وخطر فقدان المعلومات أو تسربها وبالطبع لا يمكن بهذا الحال الوصول الي صحة إلكترونية سليمة. لذلك جاءت الحاجة لنظم تقوم على إدارة هذا الكم الكبير من المعلومات والمحتوى الغير منظم في سجل المريض الطبي والعمل على تحويل ذلك السحل الورقي والمبعثر الي سجل إلكتروني يجعل من عملية الوصول لمعلومات المريض من مكان واحد أمرا ممكنا من قبل من يحتاجها وفي أي موقع وبسرعة عالية تتناسب مع حاجة المنشأت الطبية الي سرعة الإستجابة لمشاكل المرضي خصوصا في حالات الطورارئ فكانت نظم إدارة المحتوي هي من يلعب هذا الدور.

السجل الطبي الافتراضي

تعمل نظم إدارة المحتوى على إنشاء سجل طبي افتراضي متكامل  للمريض يحوي كافة معلومات المريض الطبية والمالية والإجتماعية  في مكان واحد  أيا كان نوعها إالكترونية أو ورقية وأيا كان مصدرها سواء من أنظمة داخل المنشأة الطبية أو خارجها بحيث يصبح بالإمكان لأي مشارك في العملية الطبية من ممرض وطبيب وفني مختبر وحتى المريض نفسه عبر الإنترنت  الوصول لهذا السجل إلكترونيا ومن مكان واحد  وإستعراضه وتفحصه و إضافة أي  مستندات ورقية أو إلكترونية إليه أوأي معلومات ضرورية وكل ذلك ضمن بيئة أمنه تجعل من هذا الملف الإلكتروني المتكامل المرجع الوحيد لسجل المريض في المنشأة الطبية دون أن نفقد الفائدة الي حصلنا عليها من الأنظمة التقنية العاملة أصلا وأنشأنا في ذات الوقت بيئة عمل خالية من الورق وسهلة الإستخدام والوصول من قبل الجميع.

وحتي يتحقق ذلك فلا بد أن يتوفر للمنشأة الطبية نظاما قويا ومتكاملا لإدارة المحتوي قادر على إستيراد كافة المعلومات من كافة الأنظمة العاملة في المنشأة الطبية وكذلك المعلومات المتوافرة على الورق ووضعها جميعا في مكان واحد يمكن الوصول اليه من أي موقع وبالتالي سيمثل هذا المكان الملف الطبي الإفتراضي  الكامل للمريض محتويا على كافة المعلومات واالمتندات المتعلقة بالمريض سواء كانت طبية أو مالية أو إجتماعية. وعندما نتحدث عن مكان واحد لهذا السجل فنحن نتحدث عن وثائق وسجلات من المفروض أن تكون سرية وتتبع الممعاير العالمية في حفظ وتداول سجل المريض الصحي لأن المستندات والمعلومات المخزنة في هذا الملف هي في عالم الصحة الإلكترونية سجلات سيكون  لها إعتبار قانوي وهي المرجع الأاساسي للجميع لا يحق الإطلاع عليها إلا من له الصلاحية لذلك ضمن بيئة أمنة.

ونظم إدارة المحتوى الذي تحقق هذه الصورة الرائعة قليلة جدا فهي يجب أن توفر مستودع واحدا لجميع المعلومات بكل أشكالها من مستندات ورقية وإلكترونية وصور طبية وملفات الملتيميديا One universal repository  قادر على توفير كافة الوظائف الأاساسية لإدارة المحتوى  content management system والتعامل مع الملفات والمستندات الإلفتراضية Virtual Document  وأن تكون هذه النظم مدعمة بأنظمة إدارة السجلات Record management system لتحويل كافة الوثائق والمستندات المخزنة  في الملف الصحي الإلكتروني الي وثائق إلكترونية قانونية إضافة الي قدرتها على أتمتة العمل داخل المنشأة الطبية وتدعيم التشارك بين العاملين من خلال أدوات أتمتة العملياتProcess tools  Business  كما يجب أن توفر قدرات البحث سواء على مستوي المنشأة الطبية الواحدة أو خارجها Universal search  إصافة الي قدرتها وبمرونة عالية على نشر تلك المفعومات عبر الويب سواء للمريض نفسه أو لمن له صلاحية الإطلاع وذلك عبر نظام كامل لإدارة محتوى الويب Web Content Management.

والأمر لا يقف عند البرامج فقط فهذه النظم حتي تنجح لابد أن تكون ضمن حل متكامل يشمل معدات قادرة على تخزين حجم ضخم من  البيانات والمستندات ووضعها ضمن معاير الأمان والسرية المتبعة وقادرة على توفيرها لمن يريد بسرعة عالية وفي أي لحظة بحيث لوحدثت أي مشكلة في الأنظمة أو المعدات فإن إمكانية توفيرها من مكان إحتياطي أخر وبذات السرعة أمر لا بد منه

وأخيرا…..نحو خدمات صحية إلكترونية متكاملة

عند تطبيق مثل هذا الحل المتكامل, يستطيع كل من له علاقة بالمريض و حسب صلاحياته أن يشاهد أمامه على شاشة الكمبيوتر كافة المعلومات والمستندات والوثائق الخاصة بالمريض بداءا من معلوماته الأاساسية وإنتهاءا بالتفاصيل الدقيقة المتعلقة بصحته مرورا بصور الأشعة وملاحظات الأطبا وتقارير المختبر وحساباته الماليه وروصفات الدواء وعنوانه ومن له صلة بهم وكل ذلك من مكان واحد وخلال ثوان وبسرية تامة. هنا فقط نستطيع أن نقول أننا نقدم صحة إلكترونية سليمة ذات بنية قوية قابلة للتطور على أسس سليمة وأننا فعلا نسير نحو تحول رقمي حقيقي في الخدمات الصحية.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.