قد لا يعلم الكثيرون بأن التعليم الإلكتروني بدأ مع بدايات الإنترنت بداية التسعينات والذي اعتمد أنذاك على الحوار النصي غير المتزامن الذي كان متوفرا عبر المنتديات الإلكترونية ولك كأساس لعملية التعلم وكتساب المعرفة. فالمنتديات كالنت الأداة الوحيدة للنقاش والتشارك قبل أن تظهر شبكات التواصل الاجتماعي وقبل أن تتطور تقنيات الفيديو التي بين أيدينا اليوم.

ورغم تطور الأدوات الإلكترونية التي يمكن استخدامها في التعليم الإلكتروني البيوم إلا أن الحوار النصي بقي أحد أهم تلك الأدوات باعتباره يتيح الوقت للمتعلم ليكتشف ويحلل ويناقش أكثر من الفصل الدراسي التقليدي المحدود بالزمن.

وأشهر النظريات التي ركزت على الحوار النصي غير المتزامن ووضعت له أطار عمل يمكن تطبيقه كانت نظرية “مجتمع تقصي الحقائق” Community of inquiry والتي أسسها كل من Garrison  و Arche عام 2001 ثم تطورت خلال السنوات الأخيرة عبر أكثر من 200 دراسة علمية.

وتفترض النظرية أن التعلم الإلكتروني يتم عبر وسائل تقنية غير متزامنة تعتمد النص كأساس Text-based asynchronous computer conferencing فتتيح مزيدا من الوقت للمتعلمين للتفكير قبل المشاركة في النقاش وتعمق قدرتهم على تقييم أعمالهم ومقارنتها بأعمال الأخرين وتجعلهم مسؤولين عن تعلمهم على ان يتم ذلك من خلال بناء مجتمعات او فرق من المتعلمين يتمتعون باستقلالية تامة عن الزمان والمكان.

تحاول النظرية أن تجعل المتعلمين يصلوا للمعرفة بأنفسهم من خلال الاكتشاف الجماعي لها معتمدة على حقيقة أن المتعلمين قادرين على التفاعل فيما بينهم أكثر من تفاعلهم مع المعلم نتيجة توفر الأدوات التقنية والوقت لتحقيق ذلك، وذلك عبر مجموعات عمل تستخدم التساؤل والاستفسار كأساس لعملية لتعلم، والمقصود بالتساؤل هنا هو البحث النشط عن المعاني من خلال التشارك مع المجموعة وتكون مسؤولية المتعلم بناء تلك المعاني بغرض التعلم.

وتنطلق النظرية وفقا لـ Garrison من أن التعليم يتطلب الحصول على “فهم عميق” لما يتم دراسته وليس استرجاعا للمعلومات او فهما سطحيا لها، ويتم ذلك عبر ثلاثة عناصر وهي التدريس والواجبات والمناهج. وأن العملية التعليمية هي “عملية” أو أجراء يتم بين المتعلم والمعلم فيتحمل المعلم مسؤولية خلق بيئة تعليمية مناسبة ويتحمل المتعلم مسؤولية تعلمه وتحصيله فهي في اتجاهين وليست في اتجاه واحد.

تعتمد نظرية مجتمع تقصي الحقائق على أن التعلم يتم عبر مجموعة مترابطة من المتعلمين وليس عبر المتعلم وحده وأن هذه المجموعة تتخذ الحوار النصي بين أفرادها كأساس لعملية التعلم والذي يعتمد على التساؤل المستمر كأسلوب  للوصول الى ذلك الهدف.

تعتمد النظرية على ثلاثة عناصر اساسية تعمل على تطويرها بشكل متكامل، حيث أن التعلم لا يتم الا من خلال التفاعل بين تلك العناصر وهي:

العناصر الثلاثة لنظرية تقصي الحقائق

العناصر الثلاثة لنظرية تقصي الحقائق

1- الحضورالاجتماعي Social Presence

باعتبار أننا نتحدث عن تعليم يتم ضمن مجموعة وعبر النقاش والتشارك فبالتالي لابد أن نأخذ الناحية الاجتماعية بالاعتبار. ويقصد بالحضور الاجتماعي قدرة المشاركين على اظهار هويتهم وتطوير علاقاتهم وابراز شخصياتهم ضمن فريق أو مجموعة في بيئة موثوقة وأمنة. حيث ان التعلم لا يتم الا ضمن بيئة تشاركية وعند شعور المتعلم بانتمائه لمجموعة لها نفس الاهداف والاهتمامات وليس بشكل فردي.

ويتم التركيز من خلال الحضور الاجتماعي على خلق هوية موحدة لمجموعة التعلم تركز على الموضوع الذي يتم تعلمه وليس على العلاقة الشخصية بين افراد المجموعة. ويتوجب هنا الحفاظ على خلق اتصال مفتوح بين المتعلمين يوحي بالثقة والاعتماد على الحديث الناقد والتعامل مع الديناميكية والمرونة في عملية التساؤل والتحقق داخل ذلك المجتمع والمحافظة على الاحترام والمسؤولية وعلى جو التساؤل والاستفسار الذي يؤدي في النهاية إلى حل لمشكلات أو التحديات.

وبالتالي يتكون الحضور الاجتماعي من ثلاثة عناصر رئيسية وهي العلاقات الشخصية القوية بين المتعلمين، والاتصال المفتوح فيما بينهم، وتماسك المجموعة Cohesion فقد اثبتت الأبحاث أن التماسك في المجموعة والتفاعل بين أعضائها له تأثير ايجابي كبير على العملية التعليمية والمخرجات التعليمية. كما أن شعور أعضاء المجموعة بالأمان والثقة سيشجع على التواصل بصراحة حول الهدف التعليمي الذي أنشئت من أجله المجموعة.

2- الحضورالإدراكي Cognitive Presence

وهنا نتحدث عن حصول التعلم لدى المتعلمين حيث أن الوصول للمعرفة هو الهدف من مجموعات تقصي الحقائقتلك، فهي نشأت بغرض التعلم والوصول لتحقيق هدف تعليمي محدد كحل مشكلة معينة أو الاجابة عن تساؤلات محددة. ولا يتم الوصول للمعرفة الا من خلال قدرة المتعلم على بناء المعاني عبر الحديث والنقاش وفرق التعلم.

ويرتكز تحصيل المعرفة هنا على التفكير النقدي Critical Thinking   وليس مجرد حفظ المعلومات واسترجاعها، والمقصود بالنقد هنا هو الاستنتاج والتقييم والحكم على الأمور والتي تساعد على تطوير التفكير لدى المتعلم من خلال بناء معرفة جديدة على المعرفة الموجودة اصلا لديه. ولا يمكن ان يحدث التفكير النقدي بمعزل عن الاخرين بل يتم عبر الحديث Discourse والذي يأخذ ثلاثة اشكال على الأقل وهي المحادثة Cconversation والتقصي Inquiry والتدريس Instruction .

ويطلق على التفكير النقدي التحقق العملي Practical Inquiry والذي يتكون من بعدين أساسيين وهما العالم الخاص بالمتعلم والذي يركز على بناء المعاني (تكوين المعرفة الضمنية) والعالم الخارجي الذي يركز على الفهم والذي يتم عبر التشارك مع الأخرين (المعرفة الظاهرة)، وذلك ضمن أربع مراحل اساسية للتعلم

العلاقة بين العالم الخاص والعام للمتعلم ودورة التعلم وفقا لنظرية تقصي الحقائق

العلاقة بين العالم الخاص والعام للمتعلم ودورة التعلم وفقا لنظرية تقصي الحقائق

  • مرحلة البدء Triggering ويتم عبر بدء عملية التفكير من خلال طرح التساؤلات او المشاكل التي نحتاج لمناقشتها وجذب انتباه المتعلمين ويتبع ذلك البعد الخارجي لدى المتعلم باعتباره يحتاج للتشارك مع الأخرين لتوليد أفكار جديدة.
  • مرحلة الاكتشافExploration  وتركز على جمع المعلومات بعد فهم المشكلة بتعمق او السؤال بشكل جيد. وهو عمل ذاتي ضمن البعد الداخلي للمتعلم يعتمد على فهم المشكلة ومحاولة جمع المعلومات لحلها. ويمكن استخدام العصف الذهني والبحث في الادبيات والمصادر كأدوات للبحث والاستكشاف.
  • مرحلة التكامل :Integration والتي يتم من خلالها ترتيب الافكار بشكل ذاتي لدى المتعلم. وهي مرحلة يصعب الوصول لها وقد يساعد النقاش والحديث المكتوب على الوصول لها. وتتضمن البناء على افكار الاخرين واقتراح حلول وتغييرات.
  • مرحلة الوصول لحل Resolution: والتي يصل من خلالها المتعلمون لحل المشكلة أو اجابة السؤال او حتى الوصول لفهم متعمق للمعاني. وقد يتم ذلك بشكل مباشر وهو الاصعب أو غير مباشر، وتتضمن اختبار للحل وتجربته وقد تؤدي هذه المرحلة لطرح تساؤلات اخرى وهكذا تبدأ من جديد.

لقد جمعت نظرية تقصي الحقائق بين التعلم الذاتي للمتعلم والتعلم التشاركي مع الأخرين ضمن دورة تعليمية واحدة ومتداخلة ومتكاملة

ويمكن هنا اكتساب المعرفة من قبل كل متعلم عبر النقاش المستمر الذي يقود المتعلمين من مرحلة لأخرى من التفكير النقدي وايضا عبر الواجبات التي تركز على المشاكل وحلها وايضا عبر تشجيع الدارسين ووسم المناقشات Tagging لإضافة قيمة لها. ويعتبر توفير الوقت المناسب وتوجيه المعلم في الواجبات والتصميم الجيد للنشاطات عوامل مهمة للحضور المعرفي، ودليل حصول الفائدة تكمن في البدء في طرح الأسئلة والوصول لحلول للمشاكل التي تم طرحها.

ولنجاح الوجود الإدراكي لابد أن ننظر إلى ما وراء الإدراك Metacognition والتي تتمثل بكيفية حصول المتعلم على المعرفة باعتبارها أهم من المعرفة ذاتها. وتتحدد بعاملين هما اليقظة وهي مراقبة المتعلم لنشاطه التعليمي، واستراتيجيات التطبيق (التحكم) وهي مرتبطة بالدافعية والتوقع لدى المتعلم. ويمكن تحقيق الدافعية لدى المتعلم من خلال الوجود الاجتماعي ومساعدة المعلم وايضا عبر اليقظة الشخصية للعملية التعليمية.

3- الحضور التدريسي Teaching Presence

إن وجود المعلم له أهمية كبيرة في العملية التعليمية فهو ليس مجرد ناقل للمعرفة إنما هو المسؤول عن تصميم وتنظيم العملية التعليمية بشكل ديناميكي ليحوي رؤى مختلفة، وأيضا تسهيل عملية التعلم من خلال تنسيق النقاش والمشاركة فيه وتوضيح نقاط الخلاف والاتفاق ومحاولة الوصول لاتفاق، إضافة الى التدريس المباشر الذي يجب أن يعتمد على المساعدة الجانبية للمتعلمين Guide on the side دون التدخل المباشر الا من خلال محاضرات بسيطة وذلك عبر توفير الخبرة التي يحتاجها المتعلمون من خلال ترتيب الاولويات ووضع المفاهيم التعليمية وترتيب النشاطات الدراسية والمساعدة في النقاشات واقتراح مصادر للتعلم وحل اي مشاكل. ويتأتى ذلك من مهارة القيادة التي يجب أن يتمتع بها المعلم.

لقد وضعت هذه النظرية المفاهيم الأساسية للنفاش النصي في العملية التعليمية مستغلة التقنيات التي وفرتها شبكة الإنترنت لتحقيق ذلك. فأخذت بالاعتبار العامل الاجتماعي والعمل الجماعي في التعلم وأيضا التعلم الذاتي، وأهتمت بدور أكثر فعالية للمعلم ليدير الحوار بين المتعلمين ويبني له البيئة المناسبة التي تؤدي للتعلم مستغلا العالم الخاص للمتعلم والعالم الخارجي في تشاركه مع الأخرين لتحقيق هدف محدد.

الا يمكن الاعتماد على الحوار النصي كبديل عن النشاطات التعليمية التقليدية التي يخوضها طلابنا في المدارس دون فائدة أو قيمة؟

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.

إعلان Web Hosting