لقد اعتمدت النظريات التربوية والتعليمية على مر العقود الماضية على فكرة أن التعلم يأتي من ذات الفرد ومن داخله عبر الاستيعاب والحفظ والفهم والتغيير الذي يمكن أن يحدثه في سلوكه عندما يتعلم. هذا ما ركزت عليه النظريات التعليمية الثلاثة السلوكية والادراكية والبنائية على اختلاف نظرتها لأوجه التعلم المختلفة. لكن مع العصر الحديث والتطور الكبير في وسائل الاتصال لم يعد هذا المفهوم للتعلم وارد في ظل ذلك التدفق الكبير للمعلومات من مصادر متنوعة وأصبح عناك ضرورة لاعادة تعريف عملية التعلم في ظل التحول الرقمي الذي تعيشه.

التعلم عبر المعرفة

ظهرت نظرية الترابطية Connectivism لتحاول تفهم كيف يمكن تحقيق التعلم  اليوم في ظل عصر الملعومات فاعتبرت أن التعلم يتم من خارج الشخص وليس من داخله كما كانت تركز عليه النظريات التعليمية التقليدية. أسس النظرية الدكتور George Siemens عام 2004 بالمشاركة مع الدكتور Downes واعتبرها الكثير من الخبراء والباحثين النظرية التربوية الرابعة التي تناسب جيل اليوم وأدواته.

اعتبر الدكتور Siemens  قي نظريته أن التعلم هو المعرفة الإجرائية Actionable knowledge التي يتم تحصيلها من خارج أنفسنا (في قواعد البيانات أو منظمة الأعمال أو وسائل التواصل الاجتماعي مثلا). وأن تلك المعرفة موزعة بين الناس والأشياء ولا يملكها فرد واحد. ولا يمكن تحصيل تلك المعرفة إلا من خلال التواصل مع تلك المصادر البشرية وغير البشرية ، يمكن تمثيل تلك المصادر بشبكة من العقد Nodes تمثل كل عقدة مصدرا من مصادر المعرفة. وتتمثل المعرفة الإجرائية بعنصرين اساسيين، أولهما المعرفة ذاتها والتي تتنوع من المعرفة الضمنية (معرفة كيف) إلى المعرفة الصريحة (معرفة ماذا) والتي تتضمن الاهتمام بالمعرفة الناعمة المتمثلة بالخبرات والتفاعلات ونحوها. وثانيها، العمل اي القيام بأداء المهام بالطريقة المناسبة.

التعلم من خلال شبكة

تفترض النظرية بأن المعرفة موزعة من خلال شبكات وأن الشبكة تتكون من عقدتين على الأقل مرتبطتين مع بعضهما البعض فلا يتم تحصيل المعرفة (وبالتالي التعلم) الا ببناء معرفة جديدة لدى الفرد وليس بمجرد اكتسابها فقط. فلتكون شخصا متعلما يعني أنه لديك القدرة على أن ترى تلك الصلات بين مصادر المعلومات المختلفة مما يمكنك من فهم العالم من حولك والتصرف بإبداع. وهذا ما يؤكد على طريقة التعلم التي تحدث في منشآت الأعمال التي تعتمد بشكل كبير على تواصل الموظف أو العامل مع الأخرين ممن حوله لبناء المعرفة لديه حتى يستطيع أداء عمله. كما يؤكدها أيضا التعلم الحاصل اليوم من قبل الناس عبر تواصلهم مع الأخرين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

وعندما نتحدث عن شبكة للتعلم فنحن لا نتحدث عن أي شبكة تصل بين مجموعة من العقد يمكنها أن تنتج معرفة، إنما نتحدث عن شبكة تهدف ليناء المعرفة أي بتكوين معرفة ضمنية جديدة باستمرار من المعرفة المكتسبة أصلا فتتراكم المعرفة على مر الزمن. وحتى تكون تلك الشبكات فعالة فلابد أن تكون مفتوحة دون قيود متنوعة في عقدها تسمح باستقلالية التعلم لدى المتعلمين وفي نفس الوقت تعطي فرصة للتفاعل بينهم.

شبكة التعلم الشخصية

لقد ظهر مفهوم جديد للتعلم وفقا لهذه النظرية، فقد تغير دور المعلم من الدور المتحكم المالك للمعرفة إلى إدوار أخرى ربما تكون أكثر صعوبة. فالمعلم هو أحد عناصر تلك الشبكة التعليمية لكنه يمثل الخبير والقائد والقيم الذي يرشد المتعلمين للمصادر والفرص التعليمية تماما كالقائد أو المدير في منشآت الأعمال. كما أن تصميم المقررات الدراسية لم يعد يهتم بالكيفية كما كان الحال سابقا بل أصبح يركز على أن يوفر علامات إرشادية للمتعلمين والمعلمين، والتركيز على خلق البيئة التعليمية المناسبة ثم ترك الأمر للمتعلم للبحث والحصول على العناصر التي يحتاجها مع الحفاظ على شبكة تعليمية نشطة. كما ينبغي توفير مساحة عمل للمتعلمين تمكن من التواصل مع الأخرين والتعبير عن الذات وتدعيم الحوار والبحث والتعلم بطريقة منظمة (عبر مقرر دراسي) والقدرة على توصيل معلومات جديدة.

ونتيجة لهذه النظرية ظهر ما يطلق عليه شبكة التعلم الشخصية Personal learning environment التي يؤسسها المتعلم لنفسه حتى يتعلم من خلال تواصله مع مصادر مختلفة يمكنه الوصول لها اما بنفسه أو بمساعدة الأخرين. كما أدت النظرية لظهور مفهوم التعليم المفتوح MOOC  الذي اعتمد في بداياته على التعلم فقط عبر التعلم الذاتي للمتعلم والتواصل بين المتعلمين ثم تطور لتظهر منصات التعليم المفتوح التي تقدم مناهج ومقررات دراسية ذات جودة عالية لعدد كبير من المتعلمين بشكل مجاني كمنصات Coursera و edx في العالم ورواق وإدراك في منطقتنا العربية.

لمزيد من التفاصيل حول نظرية الترابطية يمكن الرجوع  الى منشورات الدكتور Siemens و Downes خصوصا ملخص مفهوم نظرية الترابطية الذي تم نشره عام 2004 والموجود على الرابط http://www.itdl.org/Journal/Jan_05/article01.htm وايضا ورقة العمل المقدمة من قبل الدكتور Siemens عام 2008 تحت عنوان Learning and knowing in networks: Changing roles for educators and designers إضافة الى مؤلفات الدكتور Downes والمتوفرة مجانا على موقعه على شبكة الإنترنت على الرابط http://www.downes.ca/.

وأخيرا….المتعلم هو مركز العملية التعليمية

لقد استطاعت هذه النظرية أن تقدم مفهوما مختلفا للتعلم في ظل التحول الرقمي وتدفق المعلومات يعتمد على قدرة المتعلم بنفسه على التواصل الدائم مع الأخرين ليتعلم باعتبار أن المعرفة لا يملكها فرد واحد ولا توجد في مكان واحد، وهذا ما يحدث فعلا في مؤسسات الأعمال التي يعتمد فيها الموظف على نفسه في تحصيل المعرفة من مصادر متنوعة لكي يعمل، وهذا ما ينبغي أن يحدث ايضا في المدارس والجامعات إن أردنا تعليما حقيقيا.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.