جميعنا حتما يتذكر نللك القصص التي كانت تحكيها له أمه أو جدته قبل النوم وربما تكون هذه القصص محفورة في ذاكرة أغلبنا حتى اليوم وبالتأكيد  أثرت في حياتنا ومستقبلنا بعد ذلك. قد تستغربون عندما تعلمون أن تلك القصص هي أهم أداة يمكن أن تؤثر في التعليم أو العمل فيما لو تم استخدامها بفعالية. فطبيعة الانسان أنه يستمع للقصص ويتأثر بها ويشارك من خلالها. القصة هي اساس الكتابة في العالم الرقمي اليوم وهي أهم محتوى نحتاجه في العالم العربي لأنه يعبر عن خبرة حقيقية بعيدا عن التنظير.

جميعنا نحكي القصص

كل واحد فينا عنده حكاية. حكاية عاشها، حكاية سمعها، حكاية نالت على اعجابه، وحكاية لم تعجبه. وفي كل حكاية توجد عبرة نتعلم منها ونستفيد، ومتعة نتعرف من خلالها على الأخرين. فما المانع أن تحكي خكايتك للأخرين؟  قد تكون قصة عابرة سمعتها أو حدثا ما مر بك أو حكاية من التراث ترغب في اعادة صياغتها أو موقف مر بك مع أهلك أو أبنائك أو زوجك أو طرفة سمعتها تقترب من الحقيقية التي نعيش.

المعلم يمكن أن يعلم طلابه عبر القصص، والأب يمكنه أن يربي أطفاله من خلال القصص. والمدير يمكنه أن يدير أعماله باستخدام القصص. إنها أفضل وسيلة استخدمها البشر على مر العصور لجذب الأخرين ولفت انتباههم وايصال أي معلومة لهم مهما كانت صعبة أو جافة أو معقدة.

ما هي القصة؟

القصة هي أي حدث يلعب فيه مجموعة من الاشخاص أدوارا مختلفة وتكون لديهم مشكلة ما يتم حلها عبر مجموعة من المشاهد المتسلسة والمترابطة مع بعضها البعض. قد تكون قصة مكتوبة أو محكية أو مشاهدة أو مرسومة أو قصة يتم معايشتها، وقد تكون قصة حقيقية أو خيالية أو خليطا بين الأثنين.

أي اننا عنمدا نتحدث عن القصة فنحن نتحدث عن مشكلة يتم حلها وهذا يعني تجربة وممارسة وخيرة لا تجدها عادة في المعلومات والمعرفة المصاعة بشكل نثري وهنا يمكن السحر في القصة. فأنت تحصل على الخبرة الحقيقية عبر الاستماع الى تجارب الأخرين ومشاكلهم والتحديات التي واجههوها وتتخيل أنك مكان ابطال القصة وكيف أنك يمكن أن تواجه ذات التحديات والمشاكل فتقوم بحلها بذات الطريقة التي سمعتها في القصة أو حتى بشكل افضل.

القصة أساس لبناء المناهج الحديثة

اعتبر الدكتور  Schank –أحد المتخصصين بالتعليم عبر القصة و الذكاء الاصطناعي- بأن القصة هي الطريقة التي يستخدمها العقل البشري في طريقة تعلمه للأشياء من حوله ومن الصعب نسيان قصة سمعها أي فرد منا وشارك فيها ولها علاقة بحياته اليومية بينما من السهل نسيان معلومات قرائها أو تلقاها من أحد.

لذلك إهتم الدكتور Roger Schank بالقصة وجعلها أساس لأي منهج دراسي صحيخ خلاف “الموضوع” الذي يعتبر أساس المناهج الدراسية اليوم. فعلى المناهج الدراسية حتى تنجح أن تحاكي تلك الطريقة التي يتعلم فيها عقل الانسان وذلك بأن تضع المتعلم في حالة عملية حقيقية لها هدف واضح فيتعلم من خلاله نجاحه أو اخفاقه في القيام بالمهام التي تؤدي لتحقيق ذلك الهدف.

وعليه فلقد أسس Schank المناهج الدراسية التي تركز على القصة Story-Centered curriculum SCC حيث يدور المنهج الدراسي حول قصة حقيقية بسيناريو واضح الهدف Goal Based Scenarios مرتبطة بالحياة العملية للمتعلم بعد انهائه المقرر الدراسي، فيلعب كل متعلم في تلك القصة دورا محددا يؤدي به لهدف معين يتمثل بعمل يجب تسليمه في مراحل محددة أثناء الدراسة تماما كما هو الحال في الحياة العملية الحقيقية. ولا يتم اختيار تلك القصص أو المشاريع المكونة لها عشوائيا بل يتم اختيار كل مشروع ضمن سياق وتسلسل معين بحيث يبني كل مشروع على الأخر فيضيف المتعلم لمعرفته ومهاراته مشروعا بعد الأخر بشكل مدروس.

وقد بدأ الدكتور Schank تطبيق منهجيته تلك عام 2002 في جامعة Carnegie Mellon لبناء وتدريس مقرر هندسة البرمجيات على مستوى الماجستير، حيث استخدمت غرف الاجتماعات كبديل عن الصفوف الدراسية وشارك الطلاب في مشاريع حقيقية لبناء برمجيات حاسوبية وكان لكل متعلم دور محدد وفقا لحاجته واهتماماته دون أن يكون هناك مدرس حقيقي بل مرشد يساعد المتعلمين ويقيم المنتجات التي يخرج بها المتعلمون.

إذا أردت أن تعلم طلابك دون ملل فاجعلهم جزءا من قصة تشرح من خلالها ما تريد سرده أو تلقينه. فقد تكون القصة مفتاحا لفهم جديد لك ولطلابك وقد تكون محفزا لهم على العمل والابداع والتطور.

كل مشروع عمل هو مجرد قصة

لا يختلف الأمر في مؤسسات الأعمال عن التعليم فجميع النشاطات والمهام التي تتم في الشركات والمنشآت هي في النهاية عبارة عن مشاريع يفشل بعضها وينجح البعض الأخر وكل مشروع منها هو في حقيقية الأمر مجرد قصة تُروى. قصة يمكن أن نتعلم منها أخطائنا ولماذا فشلنا، أو نجاحاتنا ولماذا تمت المهمة كما يجب. قصة نتشارك فيها خبرات ومعرفة يمكن أن يكون لها قيمة لمشاريع قادمة. قصة العميل الذي نخدم والمنتج الذي سيخرج. قصة سوق ومنافسة وصراع.

القصة هي الوسيلة الأهم اليوم في الشركات لتشارك المعرفة في بيئة مفتوحة وممتعة وهي الأفضل ليعكس الموظف ما يتعلمه أثناء عمله وبالتالي هي الأفضل لنتعلم واكتساب المهارة التي نريد يوما بعد يوم والتغلب عل الصعاب وحل المشاكل والخلافات التي قد تظهر بأسوب تشاركي تعاوني .

إذا أردت أن تشرح لموظف لديك أو عضو في أحد المشاريع التي تديرها مشكلة ما أو خطرا يحدق به أو بالعمل، فاحكي له قصة عن ذات الأمر في مشروع مر بك سابقا أو مر بأحد تعرفه. واذا أردت أن تعرف متطلبات عمل ما من عميلك فإستمع الى قصته وكيف يقوم بتنفيذ مهامه وستعرف ما يحتاجه فعلا. وإذا أردت أن تبيع منتجا ما لزبون فإحكي  له قصة تيبن له منافع منتجك وخدمتك حتى تشجعه على الشراء. وإذا أردت أن تدرب أحد على مهارة ما فاحكي له قصة تشرح من خلالها كيف يتقن تلك المهارة.

انها القصة مفتاح اي عمل.

انها دعوة صادقة لأن تستخدم القصة في حياتك الشخصية أو المهنية

دعوة لكل معلم ومعلمة يرغب في استخدام القِصص كوسيلة للتعليم ونقل الخبرة لطلابهم.
دعوة لكل مدير ومسؤول وفني ومتخصص واستشاري يود أن يقدم خبرته عبر القصص.
دعوة للاباء والأمهات والأزواج ليقدموا حياتهم ومعانتهم ولحظات السعادة والشقاء في حياتهم عبر القصص.
دعوة للطلاب في الجامعات والمدارس ليعكسوا ما يتعلمونه عبر القِصص.
دعوة للعمال والمهنين والناس ليطلوا على العالم عبر القِصص.

إذا أردت أن تكون متحدثا بارعا فأبدأ حديثك بقصة قد تكون عنك أو عن مشكلة تعاني منها أو عن أحد ما تعرفه. فالقصة ستجذب الجمهور اليك وتجعلهم يصغون السمع دون أن يشغلهم رنة هاتف أو لعبة ما.

وأخيرا……..لتكن القصة جزءا رئيسيا من حياتك

حاول أن تستخدم القصة في حياتك العملية والهنية والاسرية وحتما ستجد الفرق واضحا. ستجد من يصغي لك ويتحاور معك ويستجيب لنصائحك.  حتى عالم التدوين اليوم عبر الإنترنت يعتمد على القصة. سواء كنت معاما أو مديرا أو مسؤولا فلا تترد في استخدام القصة كلما اتيحيت لك الفرصة لذلك. القصة ستضيع على مر الزمن ان اكتفيت بحكايتها لأحد أصدقائك أو طلابك أو فرد من أهلك أو قمت بارسالها عبر الفيسبوك أو سنابشات. نريد لتلك الحكايا أن تستمر وأن تبقى وأن تكون متاحة للجميع لذلك يمكنك أن تضيف قصتك الى منصة تَعلُم الأن ليستفيد منها الأخرون.