لقد اعتدنا على مر العقود الماضية النظر الي عملية التعلم على أنها محصورة في المدارس والجامعات والغرف الصفية وقاعات المحاضرات. وقطعنا جزما بأن المعرفة لا يمكن أن تكون الا عبر دفات الكتب الدراسية وعبر المعلم فقط. وتناسينا كل من أبدع وغير حياتنا وكان خارج اطار التعليم التقليدي تماما وتجاهلنا بأن الموظف والعامل حتى يؤدي عمله فلابد له أن يتعلم أيضا. حتى أن التحول الرقمي وتقنيات التعليم الإلكتروني وما نشهده من نهضة رقمية لم يؤثر في نظرتنا تلك؟ فهل اختلف الأمر اليوم عما كان عليه بالأمس ام أننا تجاهلنا حقيقية عملية التعليم وركزنا على العملية التعليمية فقط.

إن التعلم لا يمكن أن ينحصر في القاعات الدراسية والعلم ليس محصورا في المعلم. التعلم جزء اساسي من حياتنا في العمل وفي البيت وحتي في الشارع. جزء من الفرد وجزء من الشركة وجزء من المجتمع.  ولا يمكن أن نتأمل في تطور امتنا إن استمر التعلم مقيدا على حاله في عصر أصبحت فيه المعلومات تتدفق علينا من كل حدب وصوب. فالجيل قد تغير والأدوات أصبحت مختلفة والتسارع الذي نعيشه اليوم لا يمكن لأنظمة التعليم أو المؤسسات التقليدية أن تواكبه مهما احدثنا من تغيير.

ان أردنا أن نرى كيف يحدث التعلم في الواقع فلننظر الى الطلاب عندما يلتحقون بالأعمال بعد تخرجهم. فهم يمارسون عملا ويتعلمون في ذات الوقت. هم يعمدون إلى الحصول على أكبر كمية من المعرفة التي تؤهلهم للنجاح في ممارستهم تلك. هم لا يعتمدون على مدرس أو يتكلون على كتاب، بل يعتمدون على أنفسهم وعلى تواصلهم مع الأخرين في الحصول على الخبرة اللازمة لأداء الأعمال والنجاح فيها. إنهم ببساطة يتعلمون عبر العمل والتواصل فيكتسبون المهارة التي يحتاجونها من مؤسسات الأعمال التي يلتحقون بها لينجحوا في أداء أعمالهم.

taelum

التعليم وحده لا يكفي

نعم التعليم وحده لا يكفي فإن لم يرافق التعليم عمل حقيقي وتواصل فلا قيمة له. ولقد سبقنا الفلاسفة المسلمون الى ذلك عندما اعتبروا بأن تحصيل المعرفة قد يبدأ بتلقيها عبر معلم لكنها لابد أن ترتقي لأن يشاهد المتعلم بنفسه ما يتعلمه من خلال التصور (أو المراقبة)، ولا يمكن أن تتأصل المعرفة وتصل الى أعلى درجاتها الا عندما تصل الى المرحلة التي يتم فيها تلقي المعرفة عبر التجربة الشخصية والعمل.

والعمل وحده لا يكفي ايضا. فإن لم يستمر الموظف والعامل في تلقي العلم والتدريب والتواصل مع مصادر المعرفة المختلفة فلن يستمر في عمله ولن يتطور. إن المعرفة التي يكتسبها الموظف هي جزء من المعرفة الكلية التي تملكها أي منشأة والتي تميزها عن الأخرين فحتى تتطور تلك المعرفة يجب أن يستمر الموظف بالتعلم وتحصيل المعرفة واكتساب المهارة والخبرة. فكلما ازدادت معرفة الموظفين ازداد تميز المنشأة.

وكلا العمل والتعليم لا يمكن أن يتما الا عبر التواصل مع الأخرين، فكلما تواصلت مع أفراد أو تطبيقات كلما تعلمت وابدعت في عملك خصوصا ونحن نعيش في ظل هيمنة الحوسبة السحابية والأجهزة المتنقلة ووسائل التواصل الاجتماعي. فنحن نحصل على جميع المعلومات التي نحتاجها عبر تلك الوسائل ونعتمد عليها بشكل كبير في حياتنا اليومية والمهنية. فالوثائق الشخصية ووثائق العمل والصور ومقاطع الفيديو كلها مخزنة على السحابة الإلكترونية، ولا نتصل بالأخرين الا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت الأجهزة المحمولة الأساس في المعاملات الشخصية ومعاملات العمل.

التعلم هو عمل وتواصل وتعليم، يحتاج له كل فرد وتحتاج له كل شركة أو منشأة حكومية ويحتاج له المجتمع.

تحسن الأداء في المؤسسات لا يتم الا به.

تميز المنتجات والخدمات لا يتم الا به.

الابتكار والابداع لدى أولادنا لا يتم الا به.

أن نعي أنفسنا ومجتمعنا وقضايانا واحلامنا لا يتم الا به.

أن ننجز أو نعطي أو نتطوع لا يتم الا به.

أن ندير أو نتحكم أو نحوكم لا يتم الا به.

وأن نعيش بشكل أفضل لا يتم الا به.

البيئة المعرفية الرقمية

حتى يجتمع التعليم والعمل والتواصل في مكان واحد وبشكل متناسق ومتكامل فلابد أن تتوافر في المنشآت على اختلاف أنواعها وأحجامها بيئة معرفية رقمية متكاملة تساعد على إدارة عملية التعلم تلك بمحاورها الثلاثة. تلك البيئة تختلف اختلافا كليا عن بيئة العمل أو بيئة التعليم التقليدية، هي بيئة مرنة ديناميكية تشاركية ثرية تدعم المجموعات نحو تحقيق أهدافهم بفعالية.

يمكن لهذه البيئة أن تتكون عبر الكثير من الأدوات التي وفرتها لنا التقنية اليوم كأدوات إدارة المعرفة ومساحات العمل التشاركية وتقنيات ذكاء الأعمال والبيانات الضخمة والبوابات الإلكترونية والتدريب الإلكتروني. كما يمكن أن تتواجد عند بناء نموذج أو أو خطة مشروع أو نموذج مصغر أو في حلسة عصف ذهني. الأهم هو أن تكون لدى الفرد نفسه في تلك المؤسسات القدرة على بناء المعرفة والتعلم ضمن بيئة تمكنه من ذلك.

ولا يقف هذا عند المنشآت بل يشمل الأفراد أيضا فكل واحد فينا قادر اليوم على تكوين بيئته المعرفية الرقمية الخاصة به التي تساعده على التعلم عبر التعليم والعمل والتواصل. قد يتم هذا عبر الاستغلال الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعي والتراسل المباشر وربما عبر التعليم الإلكتروني الفعال، أو عبر مساحات العمل الشخصية التي وفرتها الحوسبة السحابية والتي تمكن الافراد من تحصيل المعرفة وبنائها عبر التشارك والتفاعل مع الأخرين من خلال المدونات والمواقع الإلكترونية وأدوات إدارة الوثائق والمقررات الدراسية المفتوحة للجميع وغيرها الكثير.

ويشمل ذلك أيضا العملية التعليمية في المدارس والجامعات والمعاهد والتي ينبغي أن تسعى لبناء وديمومة بيئة المعرفية رقمية فعالة مستغلة العناصر البشرية المبدعة وفي ذات الوقت ما يتوافر من تقنيات وأدوات. فتلك المؤسسات تملك مسؤولية كبرى فالجميع ينظر اليها على أنها صانعة المعرفة وهذا دورها الأساسي الذي تخلت عنه في السنوات الأخيرة نتيجة الجوة بين التعليم من جهة والعمل والتواصل من جهة أخرى. ينبغي للعملية التعليمية أن تعتمد على بيئة رقمية معرفية تستخدم كل الأدوات التي تشكل البيئة الرقمية لدي منشآت الأعمال وأيضا لدى الأفراد حتى نحصل على تعلم حقيقي يعتمد على ممارسة حقيقية مبدعة وتواصل فعال. لا نتحدث هنا عن تعليم إلكتروني تقليدي إنما عن عملية تعليمية متكاملة لا تختلف عن عملية التعلم التي تحدث في العمل أو المجتمع.

إن كثير من الأساليب اليوم والتي تستخدم في منشآت الأعمال التي تدعم التعلم الابداع يمكن أن تستخدم أيضا كوسائل تعليمية كمخططات نموذج العمل وإدارة المشاريع والعمل الريادي والبرمجة وتصميم التفكير وتحليل الأنظمة والأعمال والهيكلية البنائية المؤسسية وغيرها الكثير. كل تلك أساليب قد تغفل عنها الكثير من منشآت الأعمال ولا يعلم عنها المعلمون لكنها ضرورية لتدعيم عملية التعلم الحقيقي في منشآت الأعمال وفي التعليم.

وأهيرا……اانه العمل والتعليم والتواصل.

إن العمل والتعليم والتواصل هي العناصر الأساسية التي تحكم عملية التعلم في حياتنا المهنية والشخصية والتعليمية على حد سواء. فعندما نتعلم فنحن نحصل على عمل مبدع وتعليم فعال وتواصل ذكي. وعندما نعمل فلابد لنا أن نتعلم ونتواصل لكي ننجح في انجاز المهلم. وكلي نتواصل بشكل افضل فلابد أن يعتمد هذا التواصل على تعليم قوي وعمل محترف.

إستشاري ومتخصص في المعلوماتية وإدارة المعرفة وتطوير المحتوى بخبرة تزيد عن 24 عاما. حاصل على درجة الدكتوراه والماجستير في نظم المعلومات ووهو مدير مشاريع معتمد من معهد إدارة المشاريع PMP وممارس معتمدا لأتمتة الأعمال ومحترف معتمد في إدارة المعلومات CIP من هيئة إدارة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية AIIM ومؤلف كتاب “سر النجاح في بناء وتأسيس المواقع الإلكترونية” الصادر عام 2012 عن دار العبيكان للنشر في المملكة العربية السعودية.

CIP